11:02 ص - الأربعاء 23 أغسطس 2017 م
›› آخر الأخبار:

هذه قصة "شيخ المصورين" والموت لـ7 دقائق

2017-02-13

محمود عبيد مصور "الجزيرة"

هذه قصة "شيخ المصورين" والموت لـ7 دقائق

 يخون المصور عدسته عندما يجبن

 

حاوره/ عبد الرحمن الطهراوي:

كان صوت المراسلة هبة عكيلة يرتجف عندما اتصلت بإدارة مكتب قناة الجزيرة في غزة، لتخبره _بشكل أولي_ بنبأ استشهاد مصور القناة محمود عبيد.

وبعد أجزاء من الدقيقة، برز الشريط الأحمر المعنون بـ "عاجل" على شاشة القناة مفيداً بأن "القوات الإسرائيلية استهدفت طاقم عمل القناة شمال قطاع غزة" والتفاصيل فور توفرها.

حينها.. وقف الجميع على ساقٍ واحدة ثم انقسموا إلى نصفين متساويين بآثار الفاجعة، الأول انشغل بمتابعة حيثيات الخبر مع المراسلة، والآخر تابع أخبار مجزرة جديدة ارتكبتها (إسرائيل) في ذات المكان الذي فقد الاتصال به مع عبيد.

مرت دقائق وكل الأخبار الواردة من ميدان المجزرة تدور في فلك واحد "الطواقم الطبية تنتشل شهيد جديد.. عشرات الجرحى متناثرين في المكان.. النيران مشتعلة" أما المصور المفقود فلا أي أثر له حتى الآن!.

وفي خضم تلك المعمعة، صاح صوت من بعيد على مراسلة القناة ليخبرها أنه قد رأى "أبو رامي" هناك، مشيراً بأصبعه إلى زاوية مليئة بالدماء!.

ولكن، بأي حالٍ رأى ذلك المنادي أبو رامي، وما الذي دفع الأخير إلى استقلال سيارة الإسعاف أصلا، ولماذا لُقَّب بـ "شيخ المصورين"، تلك الأسئلة وغيرها سنتعرف على أجوبتها خلال الحوار التالي الذي أجرته صحيفة "فلسطين" مع المصور في قناة الجزيرة الفضائية محمود عبيد.

معادلة غريبة الأطوار

بدأ "ضيفنا" حديثه بإلقاء إضاءةٍ سريعة على هويته الشخصية، فقد وُلد عام 1958 لعائلة فلسطينية هجرت من قريتها الأصلية المجدل وسكنت في مخيم جباليا للاجئين، وفي مدارس "أونروا" درس الابتدائية والاعدادية ثم ترك الدراسة في المرحلة الثانوية.

بقليل من الصمت أخذ عبيد يستحضر أرشيف ذاكرته الخمسينية، قائلا: "لم استطع إكمال المسيرة التعليمية بسبب الظروف الاقتصادية التي عايشتها عائلتي بعد احتلال قطاع غزة واندلاع المواجهات المتكررة، لذا تركت المدرسة وبدأت أساعد والدي في تلبية شؤون حياة ستة أولاد وأربعة بنات".

ورغم تلك الحياة المعيشية القاسية، تشكلت معادلة _غريبة الأطوار_ فالأب المكافح يواصل ليله بنهاره ليوفر لقمة عيش كريمة لعائلته، أما ابنه فيجمع "الأغورة" على "الشيكل" ليشتري كاميرا فوتوغرافية صغيرة، يكاد ثمنها يطعم عائلته لأيام عدة.

ويضيف الرجل، الذي غزا الشيب شعره: "أحببتُ عالم الكاميرا دون مقدماتٍ، فبدأتُ منذ الصغر بجمع المال الذي أحصله من عملي في الأسواق التجارية لشراء آلات التصوير المتوفرة، رغم أن ذلك كان يلقى معارضة كبيرة من والدي رحمه الله، لأنه حسب وجهة نظره ثمة أولويات حياتية أهم من التصوير وصرف المال على تحميض وتلون الصور".

التحول

"وكيف تحولت هواية الطفولة إلى ممارسة جدية لمهنة المتاعب"، ابتسم "أبو رامي"ثم أجاب: "كان التحول يحدث على نار هادئة وتحت وطأة ظروف قاسية تسبب بها الاحتلال الذي راح يطاد جميع أخوتي لدورهم النضالي في الكفاح المسلح، والذي شاركت فيه وبسببه اعتقلت عام1986".

وما بين حرب 1967 واندلاع انتفاضة الحجارة عام 1987، عاشت العائلة بين فكي الاعتقال والمطاردة، فالشقيق الأكبر "فايز" أصبح مطاردا منذ عام 1972 والأصغر حكم بالمؤبد وكذلك سجن الاحتلال والداه، وعلى إثر ذلك قضت العائلة خمس سنوات متتالية يكاد لا يجتمع فيها شقيقان داخل البيت في ذات الفترة.

وفي السجن بدأت مراحل عملية التحول تكتمل فصولها، وعن ذلك يتحدث "ضيفنا الخمسيني" :"في السنة الرابعة من الاعتقال، الذي قضيت فيه ثماني سنوات من أصل 18 عاما حكمت بهم، سمحت إدارة مصلحة السجون بإدخال أجهزة التلفاز إلى الغرف، وقتها شاهدت على محطة mbc تقرير يوثق خطف المستعربين لمجموعة شبان، فتمنت لو أني أنا الذي التقط هذا المشهد".

وبأسلوبه السلس المثقل جوفه بكثير من الألم، تابع "من خلف قضبان الاحتلال كانت بداية المشوار وتحقيق أمنية الطفولة، فخلال فترة الاعتقال عوضت كل ما خسرت على مقاعد الدراسة، وبعد التحرر وفق لتفاهمات اتفاقية أوسلو عرض علي العمل في وظيفة حكومية إلا أني رفضت العرض".

قاطعته بما كان حرياً أن يوجه له في هذا السياق: "ومتى مارست الإعلام؟" على الفور قفزت إجابته بعدما دعاني إلى شرب فنجان قهوة "التحقت بعد التحرر ببرنامج تأهيل الأسرى الذي ضم تخصصات متعددة، وآنذاك فضلت الالتحاق ببرنامج التصوير والمونتاج التلفزيوني في شركة لينا للإنتاج الإعلامي".

في تلك الدورة التدريبية تفوق عبيد على زملاءه المحررين، الأمر الذي قربه من نيل فرصة عمل في التلفزيون الفلسطيني الرسمي لولا وشاية من مسؤوله في التنظيم حالت دون حصوله على أول وظيفة رسمية له، ولكن رئيس "لينا" كان قد أعجب بأداء عبيد في التصوير لذلك عرض عليه العمل لصالح شركته، فوافق ضيفنا على الفور.

ويتذكر عبيد تفاصيل الأيام الأولى في عمله وكأنها وليدة اللحظة، إذ يقول بنبرة مفعمة بالحماس : "كنت أقضي ساعات طويلة داخل الشركة لأتعلم على أجهزتها وأطور من قدراتي بمفردي أو بمساعدة مصور مصري، لتكون المصادفة هنا أن أول تقرير أنجزتُ تصويره كان لصالح محطة mbc التي أعجبت بعملها خلال مكوثي في السجن".

يبتسم بعد استراحة صمت ويضيف بمنتهى الفخر المتواضع :"تمكنتُ في بضع سنين من تحقيق إنجازاتٍ ميدانية، كمواكبة أحداث هبَّة النفق التي كانت أول مواجهة مع الاحتلال في عهد السلطة، وبعد ذلك بأشهر قليلة أواخر عام 1996 حصلت شركة "لينا" على توكيل رسمي للعمل لصالح قناة الجزيرة".

في تلك الفترة كان عبيد المصور الوحيد للقناة في غزة، التي افتتحت مكتبين رسميين لها في رام الله والقدس فقط، ورغم ذلك التكليف الفردي إلا أن ضيفنا مارس عمله بكل عزيمة وإخلاص، ومن الدلائل على ذلك إجراءه لثماني مقابلات شخصية على الهواء مباشرة في الأيام الأولى لاندلاع شرارة انتفاضة الأقصى عام 2000.

شيخ المصورين

ويحتفظ بسجلٍ واسع من "الأحداث الأليمة" مع جميع المراسلين الذي عملوا لصالح قناة الجزيرة بعد وقبل افتتاح مكتبها الرسمي في غزة عام 2004، بدءً من حازم بدارو مرورا بهبة عكيلة وصولا إلى تامر المسحال ووائل الدحوح الذي أطلق عليه لقب "شيخ المصورين" كونه من أكبر الممارسين لمهنة التصوير عمراً على مستوى غزة إذ لم يكن فلسطين.

وعن المواجهة الدائمة للموت، تغير مجرى حدثينا مع "شيخ المصورين" ليحمل في طياته الأخيرة الكثير من العبر والدروس، ليبدأ برواية أولى المواقف من جنوب قطاع غزة، حيث رفح والحدث محاصرة القوات الإسرائيلية لحي تل السلطان منتصف عام 2004.

وبعد شرود في دهاليز الماضي القريب قال: "كانت أحداث دامية جداً، عندما اقتحم الاحتلال رفح وفرض حصاره المشدد على حي تل السلطان في عملية عرفت بمجزرة "قوس قزح" ووقتها خرج الآلاف من أبناء المدينة لفك الحصار إلا أن الإرهاب الإسرائيلي كان لهم بالمرصاد".

ويكمل بنبرة تقطر حزناً :"تابعتُ مع زميلي سمير أبو شمالة سير المسيرة خطوة بخطوة، وما أن وصلت طلائع المواطنين إلى أحد مفترقات الحي حتى باغتهم الاحتلال بالقصف العشوائي والعنيف وقتها تساقطت الجثث أمامي كأحجار الدمى، وصورَّت 4 دقائق و45 ثانية في مشهدٍ واحد أينما وجهت عدسة الكاميرا كان هناك شهيد أو جريح".

 

ومن الجنوب إلى شمال، يسير عبيد بقطار الذكريات وصولاً إلى مخيم جباليا وما عُرف بـ"المحرقة"، وكان التاريخ يشير إلى مطلع شهر مارس/آذار من عام 2008.
كيف نجى من الموت؟

يستكمل المصور محمود سرد الحكاية: "خرجَ من مكتب القناة طاقم عمل مكون من المراسلة هبة عكيلة والمساعد محمود عوض والسائق محمد كسكين من أجل إعداد تقرير حية عن مجزرة جديدة، وأثناء تصوير الأجزاء الأخيرة من التقرير استهدفت الطائرات الحربية موقعاً جديداً فانطلقت على الفور سيارات الإسعاف من الموقع الأول إلى الثاني".

نجح ضيفنا باستقلال إحدى سيارات الإسعاف المنطلقة كالسهم الثاقب لانتشال ضحايا المجزرة الجديدة، ولكنها لم تكن لتتحرك أمتار معدودة حتى دوى صوت انفجار عنيف بجوارها فعم الدخان أرجاء المكان وتناثرت الدماء هنا وهناك على مرمى عين بقية فريق العمل.

وأمام هول المشهد وتناثر الجثث واحتراق بعضها، تواصل فريق العمل مع مكتب القناة لخبره بنبأ فقدان الاتصال بالمصور واحتمالية وجوده ضمن عداد الشهداء، ولكن المساعد عوض استطاع الوصول إلى عبيد ومشاهدته وهو يصور وقائع المجزرة الثالثة، التي كان أحد ضحاياه لمدة سبع دقائق قبل أن ينزاح الغبار وتتكشف الحقيقة!.

ولما سألته "كيف نجوت؟" أجابني: "في حقيقة الأمر أن القذائف أو القذيفة الأولى سقطت على بعد نحو مترين من الإسعاف التي قفزت منه بحركة لا إرادي، بينما هي (السيارة) بقيت منطلقة إلى هدفها، لذا اعتقد الجميع أنها احترقت وتناثرت أجزاءها في ساحة المجزرة، وبهذا كتبَ لي عمر جديد بعدما بكى علي الزملاء في المكتب".
وخلال السنوات العشر الأخيرة، أضاف عبيد إلى ذاكرته مئات الأحداث الموجعة عقب الحروب الإسرائيلية الثلاثة التي شنت على القطاع، حيث لا تكفي ساحة البوح هذه للتطرق إلى التفاصيل، بينما تكفي الإشارة إلى مواقف ثلاثة تبين وحدها حجم المأساة.

ارتسمت على عينيه نظرةً عميقة وكأن شريط الذكريات عرض أمامه، وهو يردف: "لكَ أن تتخيل لحظة اتصال أصغر ابناءك عليك في منتصف الليل وأنت في عملك ليسألك بكل براءة و"قتيش دورنا يا بابا" يقصد متى سنموت، وفي الحرب الثانية يكفي مشهد الخروج نحو أقصى شمال القطاع في ليلةٍ لا صوت يعلو فيها فوق أزير الطائرات وصوت القذائف والغارات".

أما في الحرب الأخيرة، فيتذكر ساعاتٍ مريرة عايشتها العائلة عندما تناقلت وسائل الإعلام خبر استشهاد الشاب "رامي عبيد" فظن البعض أنه ابنه المصور محمود وقد قضى نخبه في مهمة صحفية، فالابن رامي قد ورث مبكرا مهنة أباه، إلا أن الحادثة كانت مجرد تشابه أسماء، ولكن من الذي يقنع الزوجة والأم بالحقيقة، ما لم ترى أمام عيناها شريك حياتها وفلذة كبدها.

 

الخيانة

وفي هذا المقام، يؤكد "شيخ المصورين" أنه رغم الاستهداف المباشر والمتعمد للصحفيين، إلا أن مهمة المصور الأولى نقل الحدث لا أن يصبح الحدث نفسه، ثم يشدد على أنه لا قيمة للصوت "المراسل" ما لم تكن الصورة كاملة، لذلك يحدث صراع دائم بين وسائل الإعلام في جذب الصورة الأسرع.

وللمصورين والصحفيين الجدد يهمس بنصيحة: "تسلح بالشجاعة والجرأة على نقل الحدث دون انحياز أو نقصان واستعد دائماً للتضحية من أجل نقل الحقيقة للعمل في أحلك الظروف، وقبل هذا لا تخون عدستك عندما تجبن وتدخل في معترك حسابات شخصية وسياسية غير التي تمليها عليك قوانين المهنة".

حوار "فلسطين" مع "شيخ المصورين" الذي وصف الكاميرا بمثابة "الحفيد" وما أغلى من الولد إلا ولد الولد، والذي قال أيضا إن بداية نهايته ستكون إن ترك الكاميرا، تمنى في ختام حديثه أن يصور مشاهد حية داخل أزقة وشوارع غزة تبعث الأمل والتفاؤل في نفوس المشاهدين عوضاً عن صور الموت والقهر التي فاضت بها ذاكرة كاميراته.

replica watches replica watches replica watches