10:48 ص - الخميس 13 ديسمبر 2018 م
›› آخر الأخبار:
هل تعتقد أن الإعلام الفلسطيني نجح في نقل رسالة مسيرات العودة الكبرى ؟
ralph lauren polo

تراجيديا "بيروس"

2018-07-14

تروي الميثولوجيا اليونانية قصة الملك "بيروس"، أعظم قائد عسكري عرفته اليونان منذ حقبة الأسكندر المقدوني. فـــ"الرجل"، ذو الأصول الإغريقية، اتصف بالحنكة القيادية، ومهارة تصيد الفرص، والمكر في تنفيذ تكتيكاته العسكرية؛ فإنتصاراته خاطفة كالبرق، سريعة كالسيل، ومدوية كالرعد. ورغم مواصفاته "الأخيلية"، إلا أنها لم تشفع له، أو تمنع ولوجه صفحات التراجيديا؛ فهو وإن عظُم بنظر التاريخ، ظل مقيداً بالنهايات الحزينة.  تلك هي المأساة "البيروسية"، التي يتساوى فيها النصر مع الهزيمة.

والخسارة تحت هذا المفهوم، تشير إلى انتصارات معنوية، تتحقق بخسائر رهيبة، لتتحول بمرور الوقت إلى مأزق، يسحق أي إمكانية مستقبلية لخوض معارك أو تحقيق إنجازات إضافية. وتراجيديا "بيروس" لا تشكك في بطولته وإقدامه، بقدر ما تستجلي عيوبه في كبح نفسه، وتجاهله لمتطلبات حملاته المتلاحقة، وخضوعه لإغراءات النصر دون وعي، مع غياب الحساب الدقيق للمآلات. ولكن لما نعيب على "بيروس" شجاعته؟ وهو الذي أذل الرومان عند أول منازلة! إن خطيئة "بيروس" ليست في كبريائه، بل انغماسه في احلامه وامانيه، وخضوعه لإغراء النصر، ورغبته بالمزيد. فهو مضى إلى أبعد مدى، وبلغ حداً استصعب معه التراجع، ليدخل حالة من الإنهاك، قادته إلى ارتكاب الأخطاء، التي بدورها شحنت مشكلات جديدة لم تكن في حسبانه.

البالونات (الحارقة) هي تراجيديا "بيروس" الخاصة بنا. فهي، وإن مثلت في بدايتها شكلاً (سلمياً) يستجيب لمتطلبات تحريك الوضع القائم، تحولت بمرور الوقت إلى معضلة، لا نعلم إلى أين ستفضي بنا. فبريق إغرائها كوسيلة مبتكرة، تجلى في اتيانها على مئات الهكتارات من المحاصيل الزراعية، ودفعها (إسرائيل) إلى إتجاهات تركيز جديدة، شعرت معها بالإستنزاف، وفقدان قدرتها على التحكم والسيطرة. من ناحيتنا، قادنا هذا الإغراء إلى مزيد من البالونات، وبمستويات متصاعدة، دون قراءة طبيعة التفاعلات الداخلية (الإسرائيلية)، وغيوم المزايدات الداخلية التي صارت تتجمع، وإمكانية خروج المعادلة عن سكتها، وصولاً إلى نهايات غير مرغوبة.

المستوى السياسي، ومن خلفه الجيش (الإسرائيلي)، استوعب صفعة البالونات، واستطاع تحويلها إلى مكمن قوة، يمكن تسخيرها لتخدم رؤيته الإستراتيجية في إضعاف حالة الرفض الفلسطينية. ولما لا، وهي التي توفر ذريعة ملائمة للحد من معادلة (القصف بالقصف)، وقلبها إلى معادلة استنزاف حاد للمقاومة. فمع كل بالون طائر، تُدمر مقدرات تطلبت سنوات لمراكمتها. وبالنظر إلى هذه المعادلة الجديدة، يحق لي أن اتساءل، ما الذي ستحققه البالونات لنا طالما نتعرض لخسائر ذات مغزى؟ وأيها أحرى بالإهتمام حالياً، تسليح البالون، أم المحافظة على سلمية مسيرات العودة، وتطوير وسائلها؟ وما هي اولوياتنا في المرحلة الحالية؟ هل نسعى للدخول في مواجهة عسكرية؟ ام الوصول إلى حلول تخرج غزة من أزمتها الإنسانية؟

أعلم أن غزة لا تسعى للحرب، وأدرك أن ظاهرة "البالونات" ما هي إلا مسلك لتحريك المستعصي. ولكن علينا الإعتراف، وبكل شجاعة، أن الوسيلة لم تعد ملائمة، وأن هز الأرض يحتاج لمقاربات جديدة، نحافظ من خلالها على مقدراتنا، وإلا صرنا كــ"بيروس"، ننعُم ببريق نصر زائف، يقودنا دون وعي إلى خسارة محتومة. 

 

 

 

replica watches replica watches replica watches