10:53 ص - الإثنين 10 ديسمبر 2018 م
›› آخر الأخبار:
هل تعتقد أن الإعلام الفلسطيني نجح في نقل رسالة مسيرات العودة الكبرى ؟
ralph lauren polo

التمويل الجماعي.. القراء يصنعون الحل

2018-10-03

في عصر تداعت فيه العائدات الإعلانية، التي تشكّل أحد الأركان الأساسية لتمويل الصحافة، أضحت الكثير من المؤسسات الإعلامية تعاني مادياً ومنها من أُجبرت على تسريح العشرات ومنها من اضطرت إلى التخلّي عن نسختها المكتوبة والاقتصار على نسخة إلكترونية. أسباب تراجع العائدات الإعلانية متعددة، منها المنافسة الشديدة بين وسائل الإعلام وبين مواقع عملاقة تقدم خدماتها الإعلانية بأسعار منخفضة كفيسبوك وغوغل، إذ لم تعد الشركات ترى في وسائل الإعلام وسيلة مثلى لترويج منتجاتها أو خدماتها.

لذلك تبحث بعض وسائل الإعلام عن طرق جديدة للتمويل. وإذا كنت من قراء الصحافة البريطانية، وتحديدا الغارديان، فالأكيد أنك ستلاحظ نصا مثبتا على كل الصفحات، تطلب فيه إدارة الجريدة منك أن تتبرّع بأي مبلغ لأجل المساهمة في ضمان مستقبلها. تحتوي هذه الرسالة على فكرتين أساسيتين: الأولى أن الجريدة لا تعمل بمنطق الاشتراك المادي مقابل القراءة، أي أن قراءة المقالات مجانية على الإنترنت، والثانية أن الجريدة تريد الحفاظ على استقلاليتها التحريرية تماماً ولا ترغب أن تقع ضحية مموّل يتحكم في خطها التحريري.

رسالة الغارديان تحيلنا إلى فكرة التمويل الجماعي أو الجماهيري (Crowdfunding) التي انتشرت كثيراً مؤخراً، فاليوم هناك جمهور يدعم مشاريع إعلامية بالمال اللازم لأجل إطلاقها أو ضمان استمرارها، ويتم ذلك عبر التبرع المباشر في مواقع هذه المشاريع، أو التبرّع عبر منصات متخصصة في التمويل الجماعي كــ Kickstarter وindiegogo أو عبر بوابات خاصة بالصحافة كـ Press Start.

ما هو التمويل الجماعي؟

من أبرز خصائص هذا التمويل، أن يكون هو حجر الأساس في تمويل المشروع بحيث لا يبحث أصحاب هذا الأخير عن الإعلانات التجارية أو المنح الحكومية. ويمكن أن يكون المموّلون أفراداً ويمكن كذلك أن يكونوا مؤسسات، شريطة عدم ربط هذا التمويل بشروط خارج ما أعلنه أصحاب المشروع الراغبين في الدعم.

وتجدر الإشارة إلى أن التمويل الجماعي ينقسم لنوعين، الأول تمويل لا يجعل مشاهدة المواد الصحفية حكراً على المموّلين، والثاني يقوم بالعكس. وشخصياً أميل أكثر لتشجيع النوع الأول الذي ينفتح على الجمهور ككل، بينما أعتبر النوع الثاني مماثلاً للاشتراكات المعروفة في الصحافة التقليدية ولا يعدّ جديداً، اللهم إن كان ذلك ضرورياً وحاسما لاستمرار المشروع والحفاظ على استقلاليته المالية.

وحسب دراسة أنجزها مركز PEWللأبحاث عن موقع Kickstarter، امتدت من أبريل/نيسان 2009 إلى سبتمبر/أيلول 2015، نجح 658 مشروعاً إعلامياً من أصل 2975 في تلقي الدعم الكامل، وتوصلت هذه المشاريع بما مجموعه 6,3 مليون دولار أميركي، رغم أن هذه المشاريع لم تكن تطلب مجتمعة إلا 4,9 مليون دولارا، وتبيّن الدراسة أن أغلب الدعم اتجه نحو مشاريع أطلقها أفراد لا ينتمون لمؤسسات إعلامية معروفة.

أمثلة ناجحة

ليس جديداً التمويل الجماهيري لصحافة الإنترنت، فالباحثون في المجال يتذكرون موقعاً يعدّ من أول وأهم التجارب الإعلامية الرقمية عبر العالم، هو الموقع الكوري oh my news، الذي انطلق عام 2000 واشتهر بطلبه من الجمهور تقديم تبرّعات لكتاب القصص الإخبارية التي تعجبهم، علماً أن جزءاً كبيراً من طاقم الموقع كان يندرج في إطار "المواطنين الصحفيين".

ورأت عدة مقاولات صحفية عبر العالم النور بفضل التمويل الجماعي، منها الموقع الجنوب -السوداني Nuba Reports الذي حصل على 44,8 ألف دولار، والموقع المجري Atlatszo الذي حصل على 164 ألف دولار، والموقع السلفادوري El Faro الذي حصل على 26 ألف دولار. ومن أكبر نجاحات التمويل الجماعي، هناك الموقع الهونغ كونغي FactWire الذي نال 585 ألف دولار، والموقع الهولندي De Correspondent الذي توصل بـ1,7 مليون دولار في ظرف قياسي لم يتعدّ 8 أيام!

والملاحظ أن هذا التمويل لا يتم في بعض الحالات مرة واحدة، بل هناك مموّلون يختارون أن يكون ذلك دورياً (شهرياً أو سنوياً) كما عليه الحال بالموقع الإنجليزي The Bristol Cable الذي يدعمه مادياً ألفا مشترك كل شهر، علماً أن الموقع ينشر قصصه للجميع مجاناً.

هشام منصوري، صحفي مغربي يقطن في فرنسا، حصل على تمويل جماهيري لتحقيق صحفي يشتغل عليه حول تجارة الممنوعات في السجون المغربية عبر موقع Press Start. يقول لمجلة الصحافة إن ما حمسه لطرق باب التمويل الجماهيري، هو الاستقلالية الكبيرة التي يضمنها، فضلاً عن أنه يشكل امتحاناً أوليا للتأكد من مدى اهتمام الجمهور بمشروع التحقيق.

أسباب النجاح

أضحت الحاجة ضرورية في هذا العصر لصحافة مستقلة عن الجهات الرسمية وعن المعلنين وعن كلّ من يتحكم بالخطوط التحريرية للمؤسسات الصحفية ويجعل منها أداة للدعاية أو سلاحاً للهجوم على أطراف أخرى أو يفرض عليها التعتيم في قضايا معينة، لذلك هناك اقتناع لدى الكثير من مموّلي المشاريع الإعلامية حالياً بأن من يريد صحافة ذات جودة عليه أن يساهم في دعمها ماديا.

وتزداد الحاجة لهذه الصحافة في عصر انتشرت فيه الأخبار الكاذبة، وبات فيه انتهاك أخلاقيات المهنة أمرا شبه عادي في الكثير من المواقع التي تبحث عن رفع عدد الزيارات بأيّ طريقة، فضلاً عن أن اللهاث المتواصل وراء الزوار يجعل المؤسسات الإعلامية تهمل أجناساً صحفية كالبورتريه والتحقيق الاستقصائي والريبورتاج، ويجعلها تتغافل عن قضايا حيوية داخل المجتمع، كالتعددية والملفات التربوية والحقوقية وغير ذلك ممّا يحفظ للصحافة وظائفها التقليدية.

تقول ماريا تيريزا رونديريس، مسؤولة في مؤسساتOpen Society الأميركية، إن التمويل الجماعي يعدّ أداة لدمقرطة المجتمعات بما أنه يعطي السلطة المباشرة للجمهور، فهذا الأخير يموّل الصحافة ويطالبها جرّاء ذلك أن تكون صحافة قوية بدل صحافة "الوجبات السريعة"، كما من شأن هذا التمويل الاختياري أن يساهم في استمرار الصحافة التي تتعرض لضغوط وهجمات، حسب رأي رونديريس.

أسباب نجاح مشروع التحقيق الذي اشتغل عليه هشام منصوري في الوصول إلى التمويل المنشود تعود، حسب قوله، إلى نوعية التحقيق، بما أن الصحفي ذاته كان سجينا لفترة من الزمن، وإلى طبيعة الموضوع الذين وجد فيه المانحون مصلحة عامة. ويقتنع منصوري أن هذا النوع من التمويل قد يشكل بديلاً جزئيا لتمويل المشاريع الصحفية الاستقصائية بعيداً عن الرقابة، ليس فقط في الدول التي تعاني تراجعا في حرية الصحافة، بل حتى في الدول المتقدمة.

النجاح ليس مضموناً

لكن الصورة ليست وردية تماماً في مجال التمويل الجماعي، فمجموعة من المواقع التي كانت تجمع التبرّعات للمشاريع الإعلامية أغلقت أبوابها أو اتجهت لجمع تبرّعات أخرى. منها Contributoria الذي أطلقته مجموعة الغارديان، وموقع Spot الذي حصل في بداياته على دعم كبير من مؤسسة نايت الدولية، والمثال الأكبر هو Beacon الذي أعلن نهايته رغم أنه شهد حملات تبرّع ناجحة.

كما أن المشاريع الإعلامية المدعومة عبر موقع Kickstarter تبقى أقل بكثير من مشاريع أخرى في مجالات معينة تلقت دعماً أكبر كالفيديو والألعاب حسب دراسة لمركز PEW. ويُشير تقرير رويترز للأخبار الرقمية لعام 2018، أن نسبة من يتبرّعون للمؤسسات الإخبارية لا تتعدى 1% في بريطانيا و3% في الولايات المتحدة.

أسباب عدم انتشار فكرة التمويل الجماعي متعددة، منها أن هناك من ينظر إليه كنوع من الإحسان، وفق ما تؤكده ماريا تيريزا رونديريس التي تشير إلى وجود "فوارق ثقافية بين المجتمعات" في جمع التبرّعات، إذ إن هناك من يعتقد أنه الصحفيين يطلبون من خلال هذا التمويل خدمة شخصية لهم.

وهناك أسباب أخرى تخصّ طبيعة المشاريع التي تطلب الدعم، إذ لا يحمل عدد منها مقومات الجذب التي ستجعل زائراً ما يُدخل أرقام بطاقته البنكية أو حسابه على PAYPAL حتى يدعم المشروع، فجولة على بعض المشاريع الصحفية في Kickstarter تجعلك تقتنع أنها لن تقنع القراء حتى بالولوج إليها مجانيا. كما أن بعض هذه المشاريع تبتغي الربح السريع من تمويل المتتبعين، ولا تدرك أن الربح، وإن كان أمرا عادياً، لا يجب أن يكون المحرّك الأساسي، بل ما الذي يمكن أن يقدمه المشروع من إضافة بدل أن يكون كغيره من المواقع الموجودة.

لذلك يقدم الموقع الهولندي De Correspondent مجموعة من النصائح لكل صحفي يرغب في الاستفادة من التمويل الجماعي، منها: أن تسأل ما الذي بإمكانك تقديمه للجمهور وليس العكس، فهذا الموقع مثلا وعد متتبعيه بأنه سيقدم لهم تغطية إخبارية تجعلهم يفهمون العالم بشكل أفضل. ومنها أن يعمل معك في المشروع صحفيون محترفون يعرفهم الجمهور بجديتهم، وأن تبدأ حركة جديدة في الإعلام بدل مجرد مشروع، وأن تُقنع المتتبعين أنهم لن يتحولوا يوما إلى كتلة قراء تباع بياناتها للمعلنين، وأن تخطط لحملة ترويجية محكمة للمشروع، وأن تفكر في استراتيجية دائمة لاستمراره، فضلاً عن التواصل الدائم مع المموّلين أو المتبرعين.

ختاما، يحمل تقرير مؤسسة رويترز بشرى للباحثين عن التمويل الجماهيري، مفادها أن حوالي الربع ممّن استجوبتهم أبانوا عن استعدادهم لدعم الصحافة مادياً، كما أن غالبيتهم من فئة الشباب التي تعودت على ثقافة التبرّع عبر الانترنت. كذلك تحمل الأرقام التي كشفت عنها الغارديان نهاية عام 2017 تطورا كبيراً في عدد المتبرّعين بـ800 ألف متبرّع خلال 12 شهرا، ما جعل المؤسسة تخطو نحو تجاوز أزمتها التي كلفتها الاستغناء عن الكثير من الصحفيين قبل مدة.

لكن يجب الانتباه إلى أن التمويل الجماهيري ينجح أكثر في البلدان التي تشهد ثقافة الدفع للأخبار، أي البلدان التي ازدهرت فيها الصحافة المطبوعة وتتوفر فيها الصحف على مشتركين بمئات الآلاف. وفي ظل تعوّد القارئ العربي على الأخبار المجانية وتعثر عدة مشاريع إعلامية في المنطقة عملت بمنطق الدفع مقابل القراءة، يخلق التمويل الجماعي تحدياً كبيراً لدى الصحفيين العرب.

بيدَ أن ذلك لا يعني فقدان الأمل، فالأكيد هناك قراء كثر في المنطقة مستعدون لدعم المشاريع الجادة التي تعنى بمشاكلهم الحقيقية وتمكنهم من تغطية إخبارية متوازنة وموضوعية بدل عشرات المواقع التي لا تجد حرجا في وضع عنوان كاذب ومحتوى ضعيف، ثم تشتكي لاحقاً من الضعف الذي بات ينخر الجسد الصحفي.

 

المصدر: مجلة الصحافة

replica watches replica watches replica watches