06:30 ص - السبت 29 ابريل 2017 م
›› آخر الأخبار:

وقفة مع قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني لسنة 1995

2007-11-06

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفة مع قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني لسنة 1995

أ.د. جواد راغب الدلو

أستاذ الإعلام بالجامعة الإسلامية

ورقة عمل مقدمة

للمؤتمر العلمي الذي تنظمه كتلة الصحفي الفلسطيني تحت عنوان:

 الإعلام الفلسطيني.. واقع وتطلعات

1 / نوفمبر / 2007

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

الإخوة الحضور الكرام/ أحييكم جميعاً كل باسمه ولقبه بتحية الإسلام.. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد

 

لقد تكفلت العديد من القوانين والمواثيق الدولية بحماية حرية الرأي والتعبير، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966، وبدأ العمل به في مارس 1976، ومبادئ جوهانسبيرغ حول الأمن القومي وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات عام 1995.

ولقد اشتمل قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني الصادر عام 1995 على (51) مادة، وبموجبه فإن حرية الرأي والتعبير مكفولة بنص المادة الثانية، وحرية الصحافة التي هي إحدى صور حرية الرأي والتعبير مكفولة أيضاً بنص المادة الثالثة.

كما أن القانون الأساسي (الدستور المؤقت) الصادر في 18 مارس 2003، والمعدل في 13 أغسطس 2005 تكفل هو الآخر في المادة رقم (19) بضمان حرية الرأي والتعبير قولاً وكتابة، وتكفَّل في المادة (27) بضمان حرية وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والطباعة والنشر والبث والتوزيع، وحظر الرقابة على وسائل الإعلام، فلا يجوز انذرها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغاؤها أو فرض قيود عليها ، إلا وفقاً للقانون وبموجب حكم قضائي. ورغم كثرة النصوص والمواد القانونية التي تؤكد على حرية الرأي والتعبير وتضمن حرية الصحافة إلا أن قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني يحتوي على العديد من المواد التي من شأنها تقييد حرية الصحافة التي تكفلت بها المواد 2،3،4 إضافة إلى احتواء مواده على كلمات ومصطلحات مطاطية، غير محددة المعنى الأمر الذي يجعلها قابلة للتأويل ومن ثم إشهارها في وجه الصحافة عند الحاجة لتقييد حريتها.

ويمكن تسجيل العديد من الملاحظات التي تؤخذ على القانون المذكور، وهي تعد بمثابة قيود على حرية الصحافة، أهمها:

 

 

أولاً: تعامله بإبهام وعدم وضوح مع حق الصحفي في الوصول إلى المعلومات والأخبار والإحصائيات ونشرها وتحليلها والتعليق عليها، وفقاً لما جاء في الفقرة (ج) من المادة (4)، وكذالك عند الإشارة إلى تعامل الجهات  الرسمية مع الصحفي وتسهيل مهمته في الاطلاع على برامجها ومشاريعها كما تنص المادة (6)،علماً بأن هذا الحق يعد من أهم الحقوق في العمل الصحفي، وهو يعد في الأنظمة الديمقراطية من أهم الحقوق ، نظرا لأن سائر الحقوق تقوم عليه.

 

ثانياً: وضع القانون قيوداً على الصحفيين ، فالمادة (11) تشترط على رئيس التحرير أن يكون صحفياً ، ويتقن  لغة المطبوعة التي يرأس تحريرها، وألا يكون مسئولاَ عن أكثر من مطبوعة، وألا يمارس وظيفة أخرى في المطبوعة التي يرأس تحريرها أو في غيرها ، وألا يكون محكوما عليه بجناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة ، وان يكون مقيما في فلسطين، كما وضعت المواد 13،14،15 ، قيودا شبيهة بالقيود الواردة بالمادة(11)على رئيس تحرير المطبوعة المتخصصة، ومسئول دار النشر ،ودار الدراسات والبحوث،ٍ ودار قياس الرأي العـــام ،ودار الترجمة ،ودار التوزيع ومكتب الدعاية والإعلان، وهي قيود تشكل انتهاكا لحرية الرأي و التعبير التي كفلتها المادة(2) والقانون الاساسي الذي يتيح لكل مواطن حرية الرأي والتعبير، وهو ما يتعارض مع الشروط المذكورة التي تمنع الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم الشروط المذكورة من العمل في الصحافة ونقل وتوزيع المعلومات بحرية، وبالتالي ينتهك حقهم في التعبير، وحق الجمهور في المعرفة والحصول على المعلومات.

 

ثالثاً: يأخذ قانون المطبوعات والنشر بنظام الترخيص بدلاً من نظام الإخطار الذي تعمل به الدول الديمقراطية ، فقد تضمنت المواد من 18-21 المعلومات والشروط التي ينبغي أن يتضمنها طلب الحصول على الرخصة ، الأمر الذي يعني منح أفراد ومنع آخرين حق إصدار الصحف وهو ما يعد انتهاكا لحرية الصحافة.

 

رابعاً: ألزم القانون مالك المطبعة أو مديرها المسئول بإيداع أربع نسخ من كل مطبوعة غير دورية لدى مدير دائرة المطبوعات و النشر في وزارة الإعلام قبل توزيعها، وهذا يعني وجود رقابة مباشرة بعد النشر وقبل التوزيع، وهو ما يعد قيدا سافراً أمام حرية الصحافة وتدفق المعلومات، ويشعر الصحفيين أنهم تحت المراقبة ومعرضون للملاحقة والاعتقال، فيفرضون رقابة ذاتية على أنفسهم، قد تكون أشد من القوانين.

 

 

خامساً: حظرت الفقرة الأولى من المادة (37) نشر أي معلومات سرية عن الشرطة وقوات الأمن العام أو أسلحتها أو عتادها أو أماكن تواجدها أو تحركاتها أو تدريباتها.

ولعل هذه القيود لها ما يبررها في الدول ذات السيادة، التي تخفي المعلومات الخاصة بالأمن القومي في حالة وجود خطر أو تهديد حقيقي، ولكن في الحالة الفلسطينية الأمر يختلف، لأن المعلومات المتعلقة بالأجهزة الأمنية الفلسطينية متوفرة بتفاصيلها لدى إسرائيل، وذلك وفقا للاتفاقيات الموقعة بين الطرفين، وهو ما يطرح سؤالاً حول هدف إخفاء هذه المعلومات المتوفرة لدى العدو الصهيوني عن الجمهور الفلسطيني؟!.

 

سادساً: حظرت الفقرة الثالثة من المادة (37) المقالات التي من شأنها الإساءة إلى الوحدة الوطنية، أو التحريض على ارتكاب الجرائم، أو زرع الأحقاد وبذور الكراهية والشقاق والتنافر وإثارة الطائفية بين أفراد المجتمع.

وهي عبارات مطاطية فضفاضة يمكن للسلطة استغلالها في محاكمة الصحفيين واعتقالهم أو إغلاق الصحف وتعطيلها.

 

سابعاً: حظرت الفقرة الرابعة من المادة (37) نشر وقائع الجلسات السرية للمجلس الوطني ومجلس وزراء السلطة، الأمر الذي يحول دون نقل المعلومات للرأي العام الفلسطيني، وحرمانه من معرفة ما يجري في هذه المجالس، والحيلولة دون محاسبة ممثليه في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

 

ثامناً: حظرت الفقرة الخامسة من المادة (37) المقالات أو الأخبار التي يقصد منها زعزعة  الثقة بالعملة الوطنية، علماً بأن السلطة ليس لها عملة وفقاً للاتفاقيات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ومن ثم ًّفإن هذا النص غير عملي وغير واقعي ، إلا إذا كان الهدف منه حماية العملة الإسرائيلية  التي تتعامل به السلطة بشكل رسمي.

 

تاسعاً:لم تقتصر القيود التي فرضتها المادة(37) على الصحف الفلسطينية، بل تعدتها إلى الصحف والمطبوعات التي تأتي من الخارج سواء كانت عربية أو أجنبية ، حيث حظرت الفقرة الأخيرة فيها إدخال المطبوعات الخارجية إذا تضمنت ما تم حظر نشره بالقانون .

وهذا يعني حرمان المواطن من الوصول الى المعلومات وسماع آراء ووجهات نظر الآخرين، رغم استحالة ذلك في ظل تطور تكنولوجيا  الاتصال، وثورة المعلومات التي جعلت من العالم قرية صغيرة.

 

 

عاشراً: أعطى القانون للسلطة الإدارية ممثلة في وزير الإعلام، حق ضبط الجريدة ومصادرتها ليوم واحد، إذا خالفت أحكام المادة (37) دون أن يضمن حق صاحب الجريدة في التعويض في حالة البراءة، وهذا يعني وجود لون آخر من الرقابة المباشرة تعرف بالرقابة بعد النشر والتوزيع.

 

الحادي عشر: منح قانون المطبوعات وزير الإعلام حق إلغاء تراخيص الصحف التي لم تصدر خلال ستة شهور من تاريخ منحها الرخصة، وكذلك التي توقفت عن الصدور لمدة تصل إلى حوالي ثلاثة شهور، إلا إذا كان هناك عذر مشروع يقبله وزير الإعلام.

خطورة ذلك تتضح إذا علمنا أن السلطة ألغت تراخيص 44 مطبوعة عام 1999 (10 جرائد و 34 مجلة). والخلل يكمن أن الإلغاء ليس عقوبة على جريمة ارتكبتها هذه الصحف، وإنما جاء لأسباب إدارية بعد منحها التراخيص المطلوبة.

 

الثاني عشر: اشترط القانون إيداع تأمين على شكل تعهد بنكي يكفل أجور العاملين لنصف عام لكنه لم يحدد قيمته، ولم يفرق بين تأمين الصحيفة اليومية وغير اليومية، رغم أنه فرق بينهما في رأس المال حيث اشترط ألا يقل عن 20000 دينار للصحيفة اليومية، و10000 دينار للصحيفة غير اليومية، واستثنى الأحزاب السياسية.

 

الثالث عشر: لم يفرق قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني بين حق الرد والتصحيح، علماً أن الرد يعطي للأفراد والتصحيح للسلطات العامة، كما أنه لم يحدد كيفية التعامل مع الرد أو التصحيح إذا زاد حجمه عن حجم المادة التي استوجبت الرد أو التصحيح، خاصة وأن القانون قرر ذلك مجاناً.

 

 

الرابع عشر: أجاز قانون المطبوعات الرقابة بعد النشر وقبل التوزيع على المطبوعات غير الدورية كما أجازها بعد التوزيع من خلال ضبط الجريدة ومصادرتها بقرار إداري ليوم واحد وبقرار قضائي لمدة لا تتجاوز الثلاثة شهور.

 

الخامس عشر: توجد رقابة غير منظورة أي غير مباشرة على الصحافة في فلسطين، تتمثل في اجازة المادة( 47 ) مصادرة جميع نسخ المطبوعة إذا خالفت أحكام المادة( 37 ) واحتواء المادة الأخيرة على ألفاظ وعبارات مطاطية غامضة مثل : العنف، والتعصب، والبغضاء، والكراهية، والحقد، والطائفية، والوحدة الوطنية، والاضرار بالسمعة، وغيرها من الألفاظ التي قد تتسع لتصبح ستاراً لحماية السلطة والأشخاص العامين من النقد، وهو ما يحد من حرية الصحافة .

أما بالنسبة الى الضغوط التي تمارس على الصحفيين والتدخل في أساليب المعالجة الصحفية للأحداث، فعادة لا ينص عليها في قوانين المطبوعات إذ غالباً ما تظهر أثناء الممارسة ، وهي في الحالة الفلسطينية كثيرة وذات وجوه متعددة منها : تهديدهم ، وضربهم ، واغتيالهم ومصادرة أجهزتهم وإحراق مكاتبهم ، ومنعهم من الوصول الى أماكن الأحداث والحصول على المعلومات وغيرها .

السادس عشر : رغم القيود الكثيرة الموجودة في قانون المطبوعات والنشر ، والمآخذ التي سجلت عليه إلا انه يحترم مبادئ المجتمع ويحافظ على مقوماته والآداب والأخلاق العامة وحق الخصوصية وسر التحرير ويراعي آداب الإعلان ويضمن حسن سير العدالة ، وهي أمور تحسب له .

*التوصيات:

  1. رغم مرور اثنى عشر عاماً على صدور قانون المطبوعات والنشر، إلا انه بقى على حاله، لم يطرأ عليه أي تغيير أو تعديل، رغم تعاقب مجلسين تشريعيين عليه، وأكثر من عشر حكومات، و مجلسي نقابة، واحتجاجات منظمات حقوق الإنسان، والصحفيين أنفسهم، وهو ما يستدعي اعادة النظر فيه، بما يتيح اكبر قدر من حرية الرأي والتعبير في فلسطين، وهو ما يلقي على كاهل المجلس التشريعي الحالي دوراً ٍهاماً في تصويب مساره، وإلغاء القيود المفروضة على الصحافة فيه، أو حتى إلغاءه وإصدار قانون جديد ، علماً ان القانون الحالي لم يصدر عنه ، وهذا خلاف الأصول المعمول بها في سن التشريعات والقوانين في الدول المختلفة .
  2. ينبغي على نقابة الصحفيين ان تنفض الغبار عن نفسها، وتضطلع بدورها وتعمل على توفير بيئة قانونية حرة للصحافة ، وان تبذل جهوداً كبيرة لإلغاء القيود المفروضة على حرية الصحافة التي هي إحدى صور حرية الرأي والتعبير .
  3. اقترح تشكيل لجنة للحريات ، وان تكون هذه اللجنة منتخبة من الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين ، من مهامها الحفاظ على حرية الرأي والتعبير ، والتصدي للانتهاكات التي تتعرض لها حرية الصحافة .
  4. يجب إشراك الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني عامة، ومراكز حقوق الإنسان خاصة في أي نقاش رسمي حول قانون المطبوعات ، أو أي تعديلات جديدة تدخل عليه، أو أي قوانين جديدة للمطبوعات والنشر.

 

 

 

 

 

 

  1. تشكيل لجنة لمراجعة الإطار القانوني الذي ينظم ممارسة حرية الرأي والتعبير في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها القانون الأساسي ( الدستور المؤقت ) وقانون العقوبات وقانون المطبوعات والنشر والمراسيم الرئاسية وقرارات السلطة التنفيذية ، ورفع التوصيات المناسبة لتصويبها .

 

وختاماً اشكر لكم حسن استماعكم،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

                                                      أ.د.جواد راغب الدلو

أسـتاذ الاعلام بالجامعـة الإسلامية

عميد كلية الآداب ورئيس قسم الصحافة

                                                    والإعلام السابق

replica watches replica watches replica watches