05:52 م - الجمعة 26 مايو 2017 م
›› آخر الأخبار:

محمود الكومي...صور الأحداث فكان حكاية المجزرة لاستهداف الإعلام

2013-05-17

غزة - ريما زنادة

مشاعر مختلطة ... كلمات متثاقلة جمعت مابين الدمع والابتسامة فالوقت الذي نتحدث به عن دموع الوداع للشهيد بإذن الله تعالى محمود علي الكومي نتحدث به عن دموع الفرح لولادة طفل الشهيد الذي حمل نفس اسمه ليعود مجدداً اسم محمود الكومي يتناقل على ألسنة أفئدة عائلته ...رغم أن الأمر كان صعب على أنفاس والدة محمود وهي تقبل حفيدها الذي لا يحمل من عمره إلا أيام قليلة وهي تتحدث عن حفيدها الذي يحمل جميع ملامح والده حينما كان في عمره ...فقد جمعت صرخات الولادة وابتسامة المولود ...بدموع الفراق لمحمود الذي غاب بابتسامته التي كانت تتزين على ملامحه الشابة التي كانت بمثابة المفتاح الذي يدخل من خلاله لقلوب الآخرين...بهذه المشاعر فتحت صفحات مختلفة لحياة الشهيد محمود الكومي في أجواء جمعتها جلسة دافئة لعائلته وهي تعيد الحنين وتقلب الصور لسنوات عمره المتتالية التي سرعان ما انتهت حينما جمعت تاريخ ميلاده بالشهر ذاته من تاريخ استشهاده ليكون الحدث نفسه الذي تناقلته وسائل الإعلام بعدما كان يلتقط حكايات لمجازر ارتكبها الاحتلال الاسرائيلي في غزة.

محمود من جديد

"بنفس الملامح ولون البشرة فهي ذاتها الملامح التي حملها والده محمود ...أشعر أن طفل محمود هو نفسه محمود وقت ولادته ..." بهذه الكلمات أخذت تردد والدة محمود وهي تحمل بين ذراعيه حفيدها نجل محمود الذي حمل نفس اسم والده ليعود محمود من جديد لبيت العائلة.

وتوضح، أنها تشعر بالسعادة بأن يرزقهم الله تعالى طفل جديد ويكون نجل الشهيد ويحمل نفس ملامحه واسمه لكن سرعان ما ذرفت عيناها دمعاً وهي تقول:" لقد شعرت في تلك اللحظات هي نفسها لحظات استشهاد محمود".

وتذكر بابتسامة هادئة مزجت بالدموع، أن نجلها كان لا يأكل شيء إلا ويطعمها منه فقد اعتاد ذلك منذ أن كان صغيرا ً ...فقد كان حنوناً عليها ويصاحب هذا الحنان ابتسامته المشرقة التي كان يدخل من خلالها لأفئدة من حوله ... وكان مطيع لوالديه وحنوناً عليهما خاصة حينما كان والده مريضاً فكان يعتني به بكل محبة.

وتبين، أن محمود كان شجاع منذ طفولته فكان لا يخاف ولا يهاب جنود الاحتلال فكثيرا ما كان يتعرض منهم للضرب منذ أن كان صغيراً ومع ذلك كان لا يهاب منهم فكان يحب وطنه فلسطين كثيراً ذلك جعله لا يشعر بألم الضرب المبرح من قبل جنود الاحتلال....فقد كان محمود يتمنى كثيراً الشهادة في سبيل الله تعالى.

وتشير"أم محمود"، إلى أن تاريخ مولد محمود يفصله أيام من نفس الشهر عن تاريخ استشهاده حيث ولد بتاريخ 17/11/1983، واستشهد بتاريخ 20/11/2012 فكان من خلال سنوات عمره يحرص على رضا والديه فكان صاحبة ابتسامة لا تغيب رغم كل الظروف...وكانت تردد بكل كلمة .."الله يرضى عليك يمه ...الله يرحمك  ويجعل مثواك الفردوس...".

وكانت دائماً توصي "أم محمود" نجلها بحفظ أجزاء القرآن الكريم وتلاوته مما جعله يحفظ "15" جزءاً خلال مسيرة حياته التي تعلم بها في المرحلة الابتدائية في مدرسة عبد الرحمن بن عوف، ويتبعها في المرحلة الإعدادية لمدرسة ابن سينا ولتكون دراسته الثانوية في مدرسة صلاح الدين خلف، ويتبعها الحصول على دبلوم صناعة. ...وكان يحب التصوير وعمل الإعلام وإتقانه بذلك جعله يعمل مصور في فضائية الأقصى حيث أبدع  في عمله واجتهد به.

صباح ينتظر "أبو حمزة"

وكان محمود"أبو حمزة" كثير ما يردد على مسامع والدته "حينما يرزقني الله تعالى بنت سوف يكون اسمها مثل اسمك" فكان لحبه لوالدته يتمنى أن يرزق بطفلة تحمل اسم والدته، وحينما رزقه الله تعالى  بالذكور فكان يحب بأن تسمي والدته أسماء أطفاله "حمزة، وعلي، وصهيب ...ومحمود الذي ولد بشهور قليلة بعد استشهاده".

وتستكمل "أم محمود" صفحات الذكريات لنجلها:"لقد كان في كل صباح يأتي إلى منزل العائلة مبكراً ويصطحب أطفاله ويحضر لي معه الإفطار وكان إذا وجدني نائمة يجلس بالقرب مني حتى استيقظ فتكون صورة محمود أول شيء أشاهده حينما استيقظ ..فأقول له "يمه محمود أنت هنا...فكنت أشعر بالسعادة بذلك ..وبعد ذلك يعمل على إعداد الفطور لي...وكان دائماً يردد بقوله :" لا أستطيع مفارقتك يمه".

صاحب ابتسامة

وكما افتقد إسلام شقيقه محمود فإنه يفتقد كذلك ابتسامته فكان يتصف محمود بصحاب الابتسامة التي لاتغيب... حيث يتحدث عنه:" محمود صاحب ابتسامة عالية جداً في معاملته مع أهل بيته ...الابتسامة لا تفارق وجهه فهو يحب المزاح الطيب وبالوقت ذاته هو صاحب القلب الحنون على من حوله فقد افتقدت محمود كثيراً".

ومن المواقف التي أحب إسلام ذكرها عن شقيقه في محبته للمزاح، حينما كان في المدرسة وقد حصل على درجة 19/20 فعمل محمود على مسح رقم واحد لتكون النتيجة 9/20 فأخذ يقول لوالده ممازحاً "هذا إسلام إلي بتقول عنه شاطر" فقد كان يحب الدعابة وبالمقابل فإنه لا يغضب مهما حدث، وكان يحب مساعدة الأخرين وتقديم الصدقة حتى وإن تطلب ذلك إعطاء من يحتاجون إلى المال نصف راتبه فكان دائماً " يردد إلي بساعد الناس ربنا بساعده".

ويشير، إلى أن شقيقه محمود هو من شجعه على دراسة مجال الصحافة فكان يحب عمل الإعلام، فكان يستشيره بكل شيء ويستمع إلى نصائح لكن اليوم هو يفتقده كثيراً خاصة حينما يحتاج الحديث معه ليرشده بكثير من الأمور ويخبره ماذا يفعل....خاصة أنه حينما يكون منزعج من شيء كان سرعان ما يتبدل حزنه فرحاً حينما يتحدث لشقيقه ويخفف عنه ما به".

وبالكلمات ذاته وصف بها رئيس قسم الخدمات في فضائية الأقصى محمد أبو الخير، محمود حيث يتحدث عنه بأنه إنسان ضحوك جداً فكان أي جلسة لابد أن يضحك بها فكانت الابتسامة على ملامحه واضحة ..".بالفعل لقد افتقدنا ابتسامة محمود".

ويبين، أنه اتصف بالمواقف الشجاعة وكان مجتهد في عمله، مضيفاً:" لازلت أذكر حينما قصف الطيران الاسرائيلي فضائية الأقصى ورغم النيران المشتعلة لكنه أصر بالدخول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجهزة الفضائية فكان يتصف بالإخلاص والشجاعة في عمله...واليوم نفتقده بعد استهدافه من قبل الاحتلال ليكون حدث وحكاية في صفحات جرائم العدو المتركبة بحق الإعلاميين".

مساعدة الأخرين

"اتسم بالقلب الطيب الحنون على زوجته وأطفاله وكل من عرفه ...فقد كان مشهور  بالمحبة للجميع فكان لا يحرم أطفاله من شيء.... الله يرحمك يا محمود..." بهذه الكلمات تحدثت بها زوجته "أم حمزة" وهي تتحدث عن الفراغ الكبير الذي تركه محمود برحيله فقد شعرت بأن رحيل محمود هو رحيل الكثير من الأشياء في حياتها.

وتضيف:" لقد كان يحب مساعدة الآخرين ورغم أنه يسكن بالإيجار لكن ذلك لم يمنعه بأن يقدم المساعدة للأخرين إما بشكل مباشر أو أن يكون هو حلقة الوصل بين الفقراء وتقديم الخير"...كثيرة هي الكلمات والمواقف التي كانت تدور في قلب وعقل "أم حمزة" بالحديث عن زوجها لكن الكلمات كان يصعب الحديث عنها كلمات تذكرت غيابه ورحيله عنها في وقت رزقت فيه بطفلها محمود وقد أبصر الحياة بدون وجود والده.

صلاة الفجر

أما شقيقه محمد فلا يمكن له أن ينسى الأيام الأخيرة التي جمعته مع شقيقه محمود حيث اجتمع معه ومع شقيقه بلال في الحرب بحكم طبيعة عملهم حيث أن بلال يعمل بالتمريض ومحمود مصور لدى فضائية الأقصى كان يصور أشلاء الشهداء والجرحى في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ومحمد يعمل في الأمن لدى مستشفى الشفاء فقد اجتمعوا معاً، وعند صلاة الفجر ذهبوا جميعاً ليصلوا معاً لكن محمود كان يقول لهم:" لا نذهب معاً أخشى أن يتم قصف المسجد المقابل لمستشفى الشفاء فلا نريد أن نستشهد جميعاً بكفي واحد منا علشان أمنا ما بتتحمل خبر شهادتنا مرة وحدة مع بعض..بكفي واحد يستشهد".

وتابع بحديثه:" وبالفعل كان هو الواحد الذي استشهد بيننا وكان قبل استشهاده يوصيني على أطفاله ...ورغم ذلك لم أتوقع بأنه سوف يستشهد ...لكن كانت كلماته الأخيرة لي هي وصية وداعه...لقد كان مخلص في عمله فخلال فترة الحرب لم يكن يغادر إلى منزله إلا ساعات قليلة فكان يعمل لساعات متواصلة".

ويستكمل حديثه وهو يشعر بالشوق لشقيقه:" حينما اجتمعت مع محمود بالشفاء بعدها عدت للبيت وماهي إلا وقت قصير حتى سمعت خبر قصف سيارة فضائية الأقصى وارتقاء شهيدين ...وبسرعة رن الهاتف النقال وتم إخباري بأن محمود قد جرح فقلت لهم "لا" محمود قد استشهد" وبذلك أصبح هو الحدث ذاته الذي تناقلته وسائل الإعلام بعدما كان يصور الأحداث ويفضح من خلالها المجازر التي يرتكبها الاحتلال في حربه على غزة.

فرح الشهادة

وفي يوم عرس الشهادة بتاريخ 20/11/2012 في معركة "حجارة السجيل" شعرت من خلاله "أم محمود" بشيء من داخلها لكن لم تعرف ماهو وما سبب ذلك لكن سرعان ما مرت الساعات ليكون نبأ استشهاد محمود حيث تقول:" لقد شعرت بالحيرة في ذلك وحينما صليت المغرب شعرت بأن البيت فيه ناس كثيرة فقلت لابني بأن البيت فيه ناس كثيرة فقال لي" ما في أحد في البيت" ...وما هي إلا دقائق حتى توضأت لصلاة العشاء وقلت بعد الوضوء أشهد أن لا إله إلا الله حتى جاء اتصال لابني محمد بأن محمود جريح ، وبسرعة قلت له محمود استشهد وليس جريح فأخذت أقول الحمد لله...إنا لله وإنا إليه راجعون وبعد ذلك لم أستطع الكلام في ذلك الوقت...".

صمت "أم محمود" جعل من حولها يصمت لتدور بالأذهان الكثير من الكلمات التي ودعت بها محمود في تشيع جثمانه برفقة جثمان زميله الشهيد حسام سلامه حينما قصفت طائرات الاحتلال سيارة فضائية الأقصى التي تحمل اشارة( T.V)  في حرب "حجارة السجيل"...ورغم الصمت المؤلم لرحيل محمود إلا أن والدته لازلت تردد آيات سورة الفتح التي عملت على تحفيظها لمحمود قبل استشهاده لتردد قول الله تعالى " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا(1) مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا(2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)ليُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا...".

 

replica watches replica watches replica watches