08:44 م - الجمعة 24 نوفمبر 2017 م
›› آخر الأخبار:

محمد حرز الله ...صاحب الابتسامة المثقلة بهموم الوطن

2013-05-16

غزة- ريما محمد زنادة

صاحب الابتسامة المثقلة بهموم الوطن هذا كان العنوان وكان بالوقت ذاته المضمون الذي نبض في قلب الشهيد محمد ماهر حرز الله ..فكانت خريطة فلسطين ترتسم بنبض قلبه منذ طفولته خاصة حينما أصر أن يكون في دور الشهيد أثناء عرض مسرحي له في دولة الإمارات ليعود ثانية لغزة التي ولد فيها ويستشهد على أرضها في الحرب على غزة معركة"الفرقان"...فكان يرفض أي منحة دراسية قدمت له بعد نجاحه بالثانوية العامة حتى لا يبتعد عن الوطن ....

محمد كان يدرك جيداً بأنه صاحب قضية لا يمكن التنازل عنها فعمل تارة بأدوات الإعلام لفضح ممارسات الاحتلال وتارة أخرى بأدوات أخرى ...ورغم صلابة مواقفه لكنه تميز بالصدق والقلب الحنون الذي يسعى من خلاله لطاعة الله تعالى ...ورضا والديه وزرع ذلك في أشقائه ....هذه الكلمات كانت جلسة الحديث عن محمد في رحاب عائلته وأصدقائه...ورغم أن محمد لم يتواجد جسداً في هذه الجلسة لكنه كان متواجداً في أفئدة عائلته التي كان لها استقبال ينم على أخلاقهم النبيلة، ...ووجود صورته في صالون الضيافة الذي كان غرفته سابقاً يشعر المرء أن محمد بالفعل لازال بيننا فصورة محمد فيها ابتسامة لكنها مثقلة بهموم الوطن.

ميلاد الطفولة

كان يوم 8/7/ 1985 يوماً ليس مثل سابقه من الأيام فهو يحمل في أحشائه صرخات الولادة للشهيد محمد ماهر حرزالله ليتنفس بأنفاسه رائحة غزة التي عشقها قلبه وعقله في سنوات عمره التي نبضت بحب فلسطين...هذه النبضات تحدثت بها والدة محمد حرزالله وهي تستجمع الكثير من الكلمات التي تعجز أمامها السطور والصفحات أن تمتلئ بالحديث عنه...فالحكاية أكبر من أن تكون أمه فحسب وأن يكون نجلها محمد- رحمه الله – البكر للعائلة وأكبر بكثير من أن تكون حكاية المحبة والرضا والأخلاق النبيلة التي تحلى فيها.

وبمجرد أن سمعت مسامع"أم محمد" ذكر نجلها حتى أخذ قلبها بنبضات الدعاء بالرضا والرحمة لنجلها قائلة بصوت الأم المشتاق لنجلها:"في يوم ولادة محمد كانت سعادة غامرة تغمر العائلة خاصة أن الابن الأول فكان لكل شيء له معنى وطعم جميل وكل يوم يكبر فيه تكبر الابتسامة معه خاصة حينما أخذت سنوات عمره تكبر وتكبر معه أخلاقه النبيلة والمحبة التي زرعت له في قلبي وقلب والده وكل من عرفه في طفولته وكبره...وبعد خمس شهور من ولادته سافرنا إلى الإمارات إلى أن انتهى من صف الثالث الابتدائي لتكون لنا عودة لأرض الوطن غزة".

وتبين وهي تستحضر شهادات تفوقه وشهادات الشكر المرافقة لها، أنه في كل مرحلة من مراحله الدراسية كان مجتهد في الحصول على المراتب العليا في الدراسة سواء في مدرسة العين في الإمارات أو مدرسة النصر في غزة، وهو ما كان مصدر فخر لوالديه .

شهيد الأقصى

وبعد أن حلقت بذاكرتها لسنوات مضت وبالتحديد في طفولة محمد حتى أخذت تستذكر بابتسامة مصحوبة بألم الفراق:" حينما كنا نأتي لزيارة غزة كنت أحرص مع والده الذهاب للصلاة في المسجد الأقصى وكان محمد معنا حيث كانت أول زيارة له وهو  في  الصف الثاني الابتدائي..." فقد كانت تحرص مع والده تربيته تربية دينية تربطه بحب الوطن ما جعله بعد ذلك يصلي في المسجد الأقصى مرات عديدة ويرتبط بحبه للقدس.

وتتابع بالحديث عن صفحات طفولة محمد:"حينما كنا في الإمارات وكان محمد لازال في الصف الثاني الابتدائي كان يتم إعداد مسرحية من قبل مدرسته تضامناً مع فلسطين والأحداث التي يمر بها المسجد الأقصى جراء الاحتلال الإسرائيلي...وكانت شخصيات المسرحية تتنوع مابين مقاوم وعميل وجنود الاحتلال فتم اختياره بأن يكون في دور عميل ورغم طفولته إلا أنه رفض بشكل مطلق أي دور يكون بعيداً أن يكون دور الشهيد فحبه المبكر لوطنه جعله يصر على أن يمثل دور الشهيد".

وتستكمل بذاكرتها الحديث:"وبالفعل كان لمحمد دور الشهيد الذي لقي تصفيقا حارا من قبل الجمهور في هذا الدور عندما تم عرض المسرحية....وبعد مرور 15 سنة يعيد المشهد لكن هذه المرة على أرض قطاع غزة والمشهد لن يتكرر ثانية فقد كان له دور البطولة في  "معركة الفرقان 2009".

ويشاركنا في الحديث والد محمد وهو يفتخر بنجله محمد فرغم أنه صغير إلا أنه كان يتمتع بحبه لوطنه ما جعله يصر على أن يكون في دور الشهيد الذي تجسد حقيقة ليكون هو الشهيد بإذن الله تعالى.

وتحدث بكلماته وهو ينظر لصورة نجله محمد :"كان محمد يبذل كل جهده من أجل أن ينال رضا الوالدين فحينما يتحدث معي أو مع والدته يخفض من نظراته ولا يجادل حتى إن كان معترضا احتراماً لوالديه فكانت أخلاقه عالية في الاحترام ...فلازلت أذكر طفولته حينما كنت أعود من العمل ليركض مباشرة ليحضنني واليوم أبادله ذلك حينما احتضنته في وداعه.

تعلق قلبه بالمسجد

كل يوم يكبر فيه محمد كان عقله وقلبه يكبران بحب الله تعالى وطاعته ما جعل للمسجد مكان كبير في قلبه الذي كان له التأثير الطيب على حياته حيث تتحدث "أم محمد":" تربط محمد علاقة وثيقة في مسجد السلام القريب من منزلنا في حي الصبرة بمدينة غزة حيث أركان المسجد تشهد على أصوات الكثير من الأجيال التي أخذت تتلو القرآن الكريم أثناء تعلمهم من محفظهم محمد...فكان يحفظ ما يقارب 10 أجزاء من القرآن الكريم ويعمل على تحفيظ الآخرين في المسجد".

وتشير بكلمات الأم التي وجدت بنجلها المعاملة الطيبة لوالديه وأشقائه وكل من عرفه قائلة:" كان محمد دوماً يشجع أشقائه على تلاوة القرآن وحفظه ما جعل شقيقته مي وأشقائه مازن و مجد الدين  يحفظون القرآن الكريم كاملاً".

ويبين "أبو محمد"، أنه حينما كان يعطي نجله محمد مصروف فكان ينتهي بسرعة فيسأله أين ذهب المصروف؟ فكان محمد لا يجيب ، ليعرف بعد ذلك أنه قام بفعل خير قصد به وجه الله تعالى.

ويتابع بقلب الأب الحنون على ولده:" كان يحرص محمد على نيل الرضا فكان مهما حدث لا يخرج من البيت قبل أن ينال رضا والديه حتى وإن كان قد تأخر على جامعته أو على أي شيء آخر...المهم يسمع صوت والديه يدعون له  بالرضا".

في هذا الوقت ابتسمت "أم محمد" وأخذت تردد "الله يرضا عليك يا محمد...مرة تحدثت مع محمد في موضوع ولم يخرج من المنزل حتى ينال الرضا رغم أنه تأخر على موعد المحاضرة بالجامعة مما جعلني ذلك أرضى عليه ولا أبالي بالموضوع الذي تم المناقشة معه خاصة حينما وجدت منه حرصه على نيل الرضا...الله يرضى عليك يا محمد...".

عشقه لغزة

لقد كانت لغزة عشقا كبير في قلب محمد خاصة أنها جزء من أرض فلسطين أرض الرباط حيث إنه  حصل بعد نجاحه في الثانوية العامة بمعدل قارب التسعين بالمائة ، على ثلاث منح للتعليم الجامعي خارج الوطن إلا أنه قابل ذلك بالرفض...ويذكر "أبو محمد" في ذلك قائلاً:"رغم حصول محمد على ثلاث منح لكن كان يقابل كل منحة بالرفض حتى لا يسافر بعيداً عن قطاع غزة ...وحينما أراد التسجيل في الجامعة الإسلامية سجل تخصص) (IT حيث درس هذا التخصص من أجلي وأجل والدته فهو لم يرغب به وكان يريد دراسة أصول الدين، ومع ذلك كان يحرص على رضا والديه حتى في تخصص الدراسة".

ويوضح، أنه كان حريص على النجاح والحصول على شهادة الجامعة من أجل أن يرضي والديه ويسعد قلبيهما فكان دائم الوعد لهما بالتخرج والحصول على الشهادة....صمت بعض الشيء ليتبع صمته بكلمات:"الله يرضا عليه صدق في وعده فنال الشهادة في سبيل الله تعالى ولقد استلمت نيابة عنه شهادته الجامعية".

ويتبع بحديثه الذي يحمل الألم الذي يقابله الصبر:"في حفل تخرج محمد جاء بعد استشهاده فكان الاسم الأول الذي جاء في حفل التخرج هو اسم ابني محمد فكان الموقف صعب حيث شاركت مع والدته هذا الحفل واستلمت شهادة التخرج قبل أن يستلمها محمد فأخذ في ذلك الوقت الحضور بالتكبير والتصفيق والسلام الحار لي ولوالدته فأدمعت عيوننا ".

وبابتسامة الصبر التي اعتلت "أم محمد" تحدثت بها:" في حفل التخرج كان الحفل ذاته لتخرج ابنتي مي لم نستطع أن نشعر مي بأجواء  حفل التخرج حتى لم يلتقط لها صورة عائلية في ثوب التخرج فالموقف كان صعب جداً خاصة حينما يتم الجمع بين تخرج نجلي الشهيد محمد وابنتي مي في حفل تخرج واحد".

في هذا الحديث كان يستمع موسى برهوم صديق محمد المقرب بالكثير من الألم حيث يقول:" لحبي لمحمد لم أستطع التسجيل في حفل التخرج فكان من الصعب علي أن أقف على منصة الخريجين ولا أجد محمد بجواري مما جعلني لا أسجل بالمطلق بالاحتفال".

شخصية تجلب الأنظار

ويرى صديقه موسى، أن محمد شخصية تجلب الأنظار بأخلاقه الطيبة حيث تعرف عليه من خلال الجامعة في نفس التخصص وزادت العلاقة معه حينما انتقل في سكنه أثناء دراسته بالجامعة في بيت قريب من بيت محمد وبذلك أصبحت الصداقة بينهما قوية في الجامعة والمسجد والمسكن وأشياء كثيرة تربطهما.

ويردف قائلاً:" كنت ادرس مع محمد لساعات طويلة فكنت أقضي معظم وقتي معه ولدي الكثير من الصور التي لازلت انظر إليه وأتذكر معه الكثير من المواقف التي مرت بيننا".

ويصف، محمد بأنه شخصية صادقة، ومميزة....خفيف الظل وصاحب ابتسامة تزين ملامحه هذا الأمر جلبه بأن يكون صديقه وميزه عن الآخرين.

وبعد فترة صمت ًيحمل الألم وهو يستذكر مواقف مرت به مع صديقه محمد يقول، :"حينما كنت مع محمد بالجامعة مع صديق أخر لنا تم الاختلاف على شيء وأخذنا بالسير من بوابة الجامعة حتى وصلنا إلى مكتبة فدخل محمد واشترى لي ولصديقنا الأخر كتاب بعنوان"رسائل أخوية إلى الأحبة بالله" فكان هدية منه...وبذلك الوقت شعرت بأن محمد مختلف عن الآخرين بأخلاقه العالية".

 وحينما يسمع صوت المؤذن للصلاة وخاصة صلاة الفجر حتى يردد الدعاء بالرحمة لصديقه محمد حيث يقول:" حينما كنت أسكن بجوار منزل محمد كان حينما يذهب لصلاة الفجر لابد أن ينبهني للصلاة فيأتي لتنبيهي ثم يذهب للصلاة ...".

ويتابع حديث بابتسامة ألم :" كانت الكلمات التي دائماً يرددها تقلقش ...حبيبي يا حج..سامحني يا طيب ..لقد كان مخلص جداً لأصدقائه فلازلت اذكر حينما كنت عريس في اليوم الثاني من فرحي نظراً لأنني كنت اسكن غزة وأهلي في رفح طلبت منه أن يحضر لي طعام الغذاء فكنت أعتبره أكثر من صديق بالنسبة لي..فهو إنسان مرح وضحوك يحمل هم الآخرين بصدق ويلتمس أعذار الآخرين".

ويبين، أن يوم استشهاده كان يوما ثقيلا عليه خاصة أنه عجز عن وداعه رغماً عنه فكلما تذكر ذلك كان يزيد شعوره بالألم.

حفظ القرآن

لقد كان محمد-رحمه الله تعالى- دائماً يحث أشقائه على حفظ القرآن الكريم وبهذا الحث شجع أشقائه مازن ومجدي الدين وشقيقته مي على حفظ القرآن الكريم أما شقيقه مهند فأصبح على دربه بأن يكون محفظ في مسجد السلام.

ويقول مهند"كاتم أسرار محمد" الذي كانت ترتسم على ملامحه الكثير من الكلمات عن شقيقه ومع ذلك كان لا ينطق إلا بالقليل منها :" كان دائما يوصيني ببر والدي ..فكان حنون ونعم الأخ ...فدائما يوصيني بأبي وأمي حتى حينما يذهب لعمله وكذلك قبل الحرب".

ويتابع بكلماته المثقلة نطقها لشوقها لمحمد"لقد عمل شقيقي محفظ في مسجد السلام واليوم أنا أسير على دربه بذلك وبنفس المسجد".

وبعد صمت تحدث قائلاً:" قبل استشهاده بساعات رأيته على مسافة وهو يركب الدراجة الهوائية كان سعيدا ًجداً مما جعلني حينما أذهب للبيت أسأل والدتي أين محمد قد ذهب؟ فقالت لي سوف يعود بعد قليل ...وسألته هل دار بينكم حديث فيه ضحك ومزاح فلقد وجدت محمد وجهه يضحك كثيرا ...فهذا آخر شيء رأيته لشقيقي قبل استشهاده وجهه الضحوك....لقد رحل عني وترك لي فراغاً كبيراً فقد كنت أستشيره بكثير من الأمور ونحل أي مشكلة مع بعض ...وهو من اختار لي تخصص الدراسة الجامعية في قسم الإعلام...محمد لازال موجود بيننا فلقد سميت طفلي الأول باسم محمد فهو ابني وأخي بالوقت ذاته".

أما شقيقه الأصغر مازن فلازال يردد وصية شقيقه محمد قائلاً:" لقد شجعني على حفظ القرآن الكريم وعلى المحافظة على الصلاة وينصحني بالمعاملة الطيبة مع الآخرين وخاصة والدي...ويعلمني أنه لا يمكن للنوم إن كان إحدى والدي غاضبا مني ".

بينما شقيقه مجد الدين فكان يصعب عليه النوم قبل أن يرى صور شقيقه محمد المحفوظة على هاتفه النقال فكان يتظاهر بالنوم وهو تحت الغطاء يتأمل في صور شقيقه وكان لا يجد إلا ودموعه قد انهمرت خاصة حينما يعود بالذاكرة بأنه هو من شجعه على حفظ القرآن الكريم، ولازال يذكر بأن محمد كان دائماً يحل الخلافات الأخوية.

ولازال شقيقه الصغير عبد الرحمن الذي يشبهه كثيرا في طفولته، يذكر طعم الشوكلاتة التي كان يجلبها له محمد دائماً وكان يصطحبه الى  الكثير من الأماكن التي يسمح الخروج به بصحبة الأطفال ...فأخذ عبد الرحمن يردد :"الله يرحمك يا محمد ...نفسي أكون معك ...لما أكبر ويصير عمري 23 سنة راح استشهد مثلك".

وكانت لمي حكاية أخرى مع شقيقها محمد فهو كان يردد دائماً على مسامعها ومسامع والديه بوضع الحجاب بعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية  ويدعوها دائماً بوضع النقاب مما جعله يقول له:" أول هدية أقدمها لك بعد الولادة سوف تكون النقاب" إلا أن محمد استشهد قبل أن يشتري لها النقاب فما كان من والده إلا أن قدم النقاب هدية لمي نيابة عن محمد فأخذته لتضعه أمام قبر محمد وتقول له:" لقد وضعت النقاب يا حبيبي وشقيقي محمد".

حفل زفاف

وحينما أخذت "أم محمد" تقلب صوره حتى وجدت صورته وهو في يوم عرسه فأخذت ترسم على ملامحها ابتسامة مثقلة بالفراق والصبر بالوقت ذاته قائلة:" حينما أخبرني محمد بأنه يريد أن يتزوج شعرت بسعادة غامرة حيث قلت له من العروس فأخبرني بأنها بنت عمته ومن فرحي لم أصبر حتى يستيقظ والده فأسرعت لأخبره بأن محمد يريد أن يتزوج فبادلني السعادة نفسها ومرت الخطبة وحفل الزفاف بشكل سريع وميسر جداً وبعد شهرين من زفافه حتى زف إلى حور العين بإذن الله تعالى".

وتضيف:" لقد كنت في يوم حفل زفاف محمد سعيدة جداً بأنني أم عريس فكنت أقبله كثير مما جعل صديقتي تبكي وهي تنظر لي ... الحمد لله قدر الله وما شاء فعل".

صاحبة ابتسامة

هادئ الطبع ...أنيق الهندام ...صاحبة ابتسامة مثقلة تخفي من خلفها هموم الوطن ...بهذه الكلمات تحدث مدير فضائية القدس الصحفي عماد الإفرنجي، عن محمد الذي عمل في فضائية القدس وشهد من خلالها معركة الفرقان.

وذكر، أن حينما رأى محمد للمرة الأول شعر بالراحة في مقابلته أثناء تقدمه للعمل في الفضائية فقد تميز بالجاهزية العالية في العمل فالوقت بالنسبة له غير مرتبط بساعات دوامه فالمهم لديه هو أن ينجز العمل حتى وإن استغرق منه ساعات أطول من دوامه اليومي فهو يفكر دائماً كيف يخدم الرسالة الإعلامية من خلال عمله في إنتاج الاخبار .

وتابع بكلمات استرجع بها ذاكرته لمحمد:" لقد كان رحيله أشبه باختطاف سريع حيث عايش فترة الحرب وكان يأتي للعمل في الفضائية ولا يغادرها إلا لساعات قليلة ويأتي بشكل يومي ...لقد قدم عمل إعلامي رائع خلال فترة تواجده".

ويتابع بحديثه:" يوم استشهاد محمد كان يوم صعبا خاصة أنه جاء خبر استشهاد محمد وزميله بلال ديبة بالوقت ذاته فتمكنت من وداعهما في المستشفى وشعرت بألم كبير في قلبي بذلك الوقت ورغم ذلك عدت للعمل في الفضائية نظرا لظروف الحرب وتواصل القصف فكان لابد من مواصلة العمل لكشف وفضح جرائم الاحتلال".

ويستكمل الحديث بالكثير من الألم:" حينما تم تشيع جثمان محمد لم أتمكن من المشاركة فقد كنت أعمل بالفضائية وقد خرج كل الموظفين وبقيت وحدي فكان أمامي أن أختار المشاركة في التشييع أو مواصلة العمل من أجل تغطية أحداث الحرب والمجازر التي ترتكب من قبل الاحتلال في غزة فواصلت العمل وبعد ذلك خرجت للمشاركة بالتشيع لكن كان الوقت متأخراً فوصلت بعد تشييع محمد ...لذلك لازلت أقول لمحمد"سامحني يا محمد".

الحسون استشهد

الحسون ..هو اللقب المتعارف بين محمد وصديقه المقرب وزميله في العمل محمود العيسوي فكان يربطهما علاقة صداقة قوية جداً يشتاق إليها محمود كل يوم خاصة أن محمد بالنسبة له لم يكن صديقاً فحسب بل كان أكثر بذلك بكثير حيث يقول:" لقد كان محمد صديقي في العمل وفي المنزل وفي المسجد ...كان تربطني به علاقة قوية جداً فكان يتصف بأخلاقه الطيبة فهو شاب خلوق جداً ويرفض المزاح الثقيل ويجعل للحديث حدود ...".

ويشير بذاكرته:" كان دائماً يحرص على الارتقاء بالعمل ويطلب مني أن يعمل أكثر قائلاً:" يا محمود أن لا أنظر للعمل من أجل الراتب إنما من أجل الثواب والأجر من الله تعالى".

ويبين، أنه قبل استشهاده بساعات شعر بألم في قلبه وأخذ يقول :"لقد حدث مع محمد شيء" وزاد هذا القلق حينما اتصل على هاتفه النقال ووجده مغلق وما هي إلا ساعات قليلة حتى جاء خبر استشهاده فلقد كان الخبر بالنسبة له صعب جداً.

ويستكمل كلماته:" سامحني محمد ...منذ يوم استشهادك لا أستطيع زيارة عائلتك أو حتى الاقتراب من منطقة سكنك فالأمر بالنسبة لي صعب أن أذهب للمكان الذي كنت فيه ولا أجدك...".

ويردف في قوله :" من الصعب نسيان محمد فلازالت طعم الحلوى في يوم خطبته في فمي خاصة حينما اعتذرت منه عن القدوم لحفل خطبته نظراً لانشغالي فما وجدت منه إلا وقد جاء لي وقد ترك خطيبته وهو يحمل لي طبق من الحلوى ويقول لي لا يمكن إلا وأن تأكل من حلويات خطبتي ...".

ويوضح، أنه قد تعلم من محمد التضحية خاصة أنه تقدم لعمل فوقع عليه الاختيار وبعدما علم أن المتقدم الآخر الذي يتبعه بحاجة للعمل فورا اعتذر عن الوظيفة حتى يأخذها من هو أكثر حاجة للعمل.

حلوى استشهاده

وقبل استشهاده بأيام حلم جده برؤية تحدث بها "أبو محمد" قائلاً:" لقد تحدث لي والدي فأخبرني بأنه رأى رؤية بالمنام حيث جاءه رجل في المسجد وطلب منه أن يتلوى قول الله تعالى:" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " فقلت في ذلك الوقت اللهم اجعلنا من الصابرين".

وتتحدث"أم محمد":" قبل استشهاد محمد أصيبت والدتي بالحرب فذهبت للاطمئنان عليها وقبل يوم من استشهاده طلب مني محمد الذهاب لزيارة جدته وبعد هذه الزيارة وعند العودة للمنزل ذهب ليشتري شوكلاتة وعمل على توزيعها على أشقائه وكل من كان في المنزل وطلب مني أن احتفظ بقطعة لشقيقته وزوجها وأصر أن أتناول قطعة وتكون لوالدته قطعة...وما جاء مساء اليوم حتى تم استشهاده".

وفي أحداث يوم استشهاده بتاريخ 12/1/2009 تذكر "أم محمد" قائلة:" رن هاتف النقال وسألني المتصل عن والد محمد فقلت له أنا والدته فأخبرني باستشهاد محمد....فأسرعت لرؤيته وخرجت من المنزل وكان "أبو محمد" أمامي مع مجموعة من الشباب ورغم أنه أمامي لكني لم أراه حيث قلت من منكم معه سيارة لقد استشهد ابني محمد؟  فسرعان ما صدر صوت والده بالقول:" إنا لله وإنا إليه راجعون" وبذلك عرفت أن"أبو محمد" كان أمامي".

ويتحدث "أبو محمد" :"حينما كان يقف في وداع نجلي محمد في ثلاجة الموتى جاء اتصال من شقيقي من الإمارات وهو يبكي في حالة صعبة فقمت بالتخفيف عنه وأردد الحمد لله هذا قدر من الله تعالى فكنت أحاول التخفيف عن شقيقي وهذا الأمر فعلته زوجتي حينما كلمها كذلك فكانت هي من تخفف عن عم محمد وتردد الحمد لله تعالى".

ويشير، إلى أن نجله استشهد جراء إصابته بقذيفة من الاحتلال قرب مسجد علي بن أبي طالب وتم دفنه في قبر عمه عاطف في مقبرة الشجاعية حيث كان من الصعب أن يدفن في مقبرة الشهداء نظراً لصعوبة الأوضاع وتواصل القصف في حرب الفرقان"2008-2009".

ولازالت عائلة محمد تردد وصيته التي تحثهم على طاعة الله تعالى وطاعة الرسول"صلى الله عليه وسلم" والدفاع عن فلسطين من شمالها لجنوبها ومن شرقها إلى غربها.

ورغم أن الحديث عن محمد كان في ضيافة ضوء أشعة الشمس إلا أنها غادرت ولازال الحديث عن محمد يتواصل ...ورغم مرور ساعات بالحديث عنه إلا أنه لم يشعر أحد بمرور هذه الساعات أو حتى النظر لعقارب الساعة فكانت هذه الكلمات ما هي إلا بعض الحروف التي جمعت لتحمل كلماتها سطور هذه الصفحات وتبق في الذاكرة يتناقلها  جيل بعد جيل تروى لهم حكاية الشهادة من خلف العمل الإعلامي الفلسطيني.

replica watches replica watches replica watches