05:52 م - الجمعة 26 مايو 2017 م
›› آخر الأخبار:

"لابد لنا أن نستشهد" كلمات سطرها هاني عابد بدمائه الزكية

2013-06-19

"لابد لنا أن نستشهد" كلمات سطرها هاني عابد بدمائه الزكية

غزة- ريما محمد زنادة

لم يكن أحد يعلم أن خلف هذه الابتسامة التي لا تفارقه حتى في أصعب الظروف إنسان يحمل القيادة بكل شيء في أخلاقه وأفكاره ومعاملته الطيبة التي شهدها القريب والبعيد ...فكلماته كانت حكمة يسير بها نهج حياته ويجعل من طيف الدعابة أسلوباً ليناً في التعامل مع من حوله ...استطاع أن يغير الكثير من حوله ويؤثر فيهم عبر أفكاره النيرة وأسلوبه الطيب في المعاملة التي تتزين بـ"البشاشة" ...ورغم أنه لازال في مرحلة الشباب قبل استشهاده لكنه كان يحتل الكثير في قلب أقاربه ليكون المختار عليهم في الرأي والمشورة رغبة منهم في ذلك ...فلازالت حكمته منقوشة على سطور جريدة الاستقلال التي لازالت تحتفظ باسمه في كل طبعة لها باسم المؤسس لها هاني عابد ...الذي كان الحديث عنه لا يشبع رغم  مرور الساعات التي كان تروي بثوانيها حكاية يصعب للتاريخ نسيانه عبر صفحاته وعبر ذاكرة الأجيال الفلسطينية التي أرادت من خلالها الاحتلال الإسرائيلي اغتيالها كما اغتلت صاحبها من قبل فقد أرق الاحتلال بأفكاره وحبه لفلسطين.

لابد أن نستشهد

"لابد لنا أن نستشهد" لازالت هذه الكلمات غائرة على ورقة البيان الذي خطه هاني عابد قبل استشهد بأوقات قصيرة في ذكرى "وعد بلفور المشؤوم" حيث كتب على بداية الورقة ماذا نفعل في مثل هذا اليوم؟!...لابد لنا أن نستشهد"...بهذه الكلمات استذكرت اعتماد شقيقها هاني الذي كان بالنسبة لها الكثير في مسيرة حياتها حتى بعد رحيله بعدما تعلمت منه الكثير الكثير من أبجديات الحياة.

وفي صفحات الذاكرة التي تنقلنا بها مع شقيقته وهي تتحدث عنه تقول:" لقد اتصف هاني بالذكاء والشجاعة وتحمل المسؤولية رغم صغر سنه فهو بمثابة الرجل الثاني في البيت ورغم كل شيء كان مجتهد في الدراسة فكان ترتيبه لا يقل عن الثلاثة الأوائل في كل مرحلة من مراحل دراسته الابتدائية والإعدادية في مدارس الوكالة في معسكر جباليا، والثانوية في مدرسة الفالوجة، وكذلك دراسته الجامعية في قسم العلوم بالجامعة الإسلامية واستكمل دراسة الماجستير في جامعة النجاح الوطنية".

وتبين، أنه ذكي جداً مما جعله يدخل قبل عام من موعد الدراسة في الصف الأول الابتدائي رغم أنه من مواليد 9/12/1962 أي أنه سجل بالمدرسة وهو في عمر خمس سنوات، وكذلك كان الأمر بالماجستير فقد كان أصغر طالب بالماجستير فقد كان سريع الحساب بالمعادلات الرياضية مهما كانت المعادلة الرياضية فكانت الإجابة سريعة.

وتذكر، أنه كان سريع الحفظ وخاصة القرآن الكريم فقد كان يتلو الصفحة مرة ومرتين وبالثالثة يكون قد حفظها هذا الأمر جعل صديق والده رغم أن لديه "11" من الأبناء لكنه كان يقول لوالد هاني "تأخذ أبنائي" 11" وتعطيني هاني".

وفي ابتسامة تستذكر فيها هاني:" لقد كان رغم طفولته إلا أنه كان يرفض أن أجلس أو ألعب مع الأولاد الذكور رغم أننا كنا صغار جداً ومع ذلك كان غيور محافظ يحب الدين فقد تعلق قلبه بالمساجد حيث كان يقطع مسافات طويلة من أجل الصلاة في المسجد وخاصة صلاة الفجر رغم وجود الاحتلال في ذلك الوقت في قطاع غزة".

وتتابع بكلماتها :"لقد كان لحب فلسطين عمق كبير في قلبه حيث كان يراقب الطريق للفدائيين رغم أنه كان في الثامنة من عمره وكثير ما كان يسجل أناشيد للمقاومة في صوته الجميل".

لا يغضب

ومن الصفات التي تعجبها بشقيقها تشير إلى عدم الغضب، والحفاظ على الهدوء وكان لا يحب الجدال...فكان لا يغضب إلا من أجل الدين فكان يقول:"إلا الدين".

وتضيف:" لقد تعلمت من شقيقي التقرب لطاعة الله تعالى فكان حينما يريد أن يرشدني إلى شيء كان يشتري لي كتيب أو كتاب ويضعه على قريب من بصري وبعد فترة يسأل أين الكتيب ؟! فأخبره بأنه معي فيسألني هل أعجبك ؟ فكانت هذه طريقة من أجل أن يرشدني ويحببني في الكثير من الأمور".

وتبين، أن شقيقها كان دائماً يحثها بأن يكون لها دور بحيث يكون لها بصمة في هذه الحياة تقابل بها الله تعالى، فهذا الأمر جعلها تسير على هذه الوتيرة في حياتها وتشجع النساء الأخريات بأن يكون لهن دور في الحياة وبصمة.

وتوضح، أن هاني كان لا ينام كثيراً فخلال "24" ساعة لا ينام إلا "4" ساعات فقط وحينما ينام لا ينام بشكل مريح خوفاً أن يدخل في نوم عميق.

شقيقة شهيدا

تستذكر مرة أنها قالت:" نفسي أكون شقيقة شهيد" فكان يقول لها شقيقها هاني "سوف يكون لك أخ شهيد"...حيث قبل خروج الاحتلال من قطاع غزة عملوا على تصوير المنزل وقد أخبرت هاني بالأمر فقال لي "سيتم اغتيالي أو اختطافي".

معنى الاستقلال

أما شقيقته الصغرى تحرير فكانت تجد في شقيقها شخصية مميزة حيث تذكر أنها كانت مع شقيقها هاني في حفل تأبين وكان يتحدث معها عن سبب اختيار اسم صحيفة الاستقلال بهذا الاسم فقال لها :" حتى أعلم الاخرين معنى الاستقلال الحقيقي".

وتبين، أنها تعلمت منه الكثير خاصة بوجود فارق العمر بينهما وكانت تحب كثيراً سماع صوته بالقرآن، فقد اتسم بالأخلاق العالية والكلمات الطيبة....فقد كان يساعدها في فهم الدروس بسرعة تفوق أي أستاذ.

هاني لايزال موجد

ورغم أن هاني قد مضى على اغتياله "18سنة" إلا أن الحديث عنه كان يؤكد تواجده معنا خاصة أن زوجته ميرفت عابد "أم معاذ" كانت تتحدث عنه بالكثير من التفاصيل الشيقة التي يصعب عليها أن تنسى شيء منها  خاصة أنه كان بمثابة المدرسة الأولى لها في كل شيء في حياتها ...حيث تقول وهي تستذكر مدرستها الأولى هاني:" إنسان ملتزم جداً ومتمسك بأخلاقه الحميدة والمحافظة على الصلاة ..فقد كان مدرستي الأولى بالتقرب لطاعة الله تعالى فلقد علمني كيف أجيد الوضوء والصلاة والكثير من الأمور الدينية التي غيرت من شخصيتي".

وتتابع في شوق الحديث عنه:" لقد غير مجرى حياتي وتفكيري بحيث نقلني نقلة نوعية من حياة لحياة أخرى فلقد اعتبرته هدية وكرم من الله تعالى ...فقد غير في حياتي الكثير".

وتبين، أن سنوات زواجها التي قضيت معه كانت لاتزيد عن ست سنوات ونصف ورغم ذلك كانت بالنسبة لها ستين سنة وأكثر فقد كانت هذه السنوات كفيلة بأن يعلمها الكثير فيها ويغير من شخصيتها بأن تكون قادرة على الاعتماد على نفسها والصبر والتحمل".

وتلفت، إلى أنها كانت تجده كبير جداً في نظرها مما جعلها تستشيره بكل شيء بالصغيرة والكبيرة فكان يطلب منها بكل مرة أن تكون أكثر قدرة على اتخاذ القرار خاصة بالأمور الصغيرة فكان بذلك يرسل لها رسالة بالاعتماد على نفسها لتأخذ هي قيادة السفينة للأسرة بعد رحيله فكان دائماً يؤهلها بالاعتماد على نفسها.

رسالة الصبر

وتذكر "أم معاذ" وهي تفتح صفحات الذاكرة لديها وبالتحديد حينما فتحت الرسالة الأولى لزوجها حينما تم اعتقاله من قبل قوات العدو الصهيوني:" حينما اعتقال عام 1992 من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي كان خلال فترة التحقيق يحاول العدو الصهيوني تكراراً أن يلفق عليه تهمه بأي شكل من الأشكال ورغم ذلك كانت محاولاته ينتج عنها الفشل مما جعله يقضي حكم إداري" 6شهور" وخلال هذه الفترة أرسل لها رسالة غيرت الكثير من حياتها جاءت في بداية سطورها الأولى قوله تعالى:{الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} هذه الآية جعلتني أبكي كثيراً وأدركت بالوقت نفسه بأنني يجب أن أكون قوية... شعرت أنني أول مرة أتلو هذه الآية".

إنسان نقي

وتستكمل "أم معاذ" في الحديث عن صفات زوجها:" لقد كان نقي لا يعرف الحقد، والابتسامة ملازمة له حتى من يختلف معه فقد كان له أسلوب خاص في الحديث والنقاش يدخل على القلب مباشرة حيث يحافظ على ابتسامته بشكل متواصل فكان "بشوش" هذا الأمر جعل عائلته تطلب منه أن يكون في موقع المختار للعائلة في النصح والمشورة رغم أنه كان عمره صغير بأن يكون مختار لكن التزامه ومعاملته الطيبة ورجاحة عقله كانت تفوق سنوات عمره".

وتشير، إلى أنها في كل واحد من أبنائها تشعر بأنه يحمل صفات والدهم فنجله الأكبر معاذ يأخذ من والده الشبه الكبير وبعض الصفات كذلك الصفات الأخرى والحركات المتواجدة في أنجالها: ولاء ومحمود وأفنان وحتى قسم الذي استشهد والدها وهي لازالت جنين في أحشاء والدتها، فهو من اختار لها اسم "قسم" ، فكانت الكثير من المواقف تشعر من خلالها بوجود هاني.

وتبين، أنه بالرغم من استشهاد هاني وأطفاله كانوا صغار جداً ولم يدركوا ملامح والدهم إلا أنهم يحملون صفاته الكثيرة التي تكون سعيدة حينما تجدها حاضرة بين أبنائها.

وفي حنين كبير والدعاء بأن يجمعها الله تعالى بزوجها هاني:" لا يمكن أن أجد إنسان مثل هاني ...لقد كان نعم الزوج".

القوة والتحمل

ومن المواقف التي لازالت عالقة في ذهنها تقول فيها:" قبل استشهاد هاني مرضت فكان يقول لي هاني "مرض بسيط مثل هذا يقعدك فماذا سوف تفعلين حينما أرحل؟!" فكنت أشعر بأنه يحاول أن يجعل مني إنسانة قوية أكون قادرة على التحمل مهما كانت الظروف".

وتبين، أنه كان يحب الحديث عن سيرة الشهداء وكان يردد ذكر العديد منهم، وكانت كثير قبل استشهاده ترى أنه محمول على الأكتاف وهي في حالة يقظة ومع ذلك لم تخبره يوماً بذلك وبالفعل صدق الأمر في يوم اغتياله حينما نظرت إليه لتجده بنفس الصورة التي كانت تحلق بين ناظريها في اليقظة.

رحيل الأبطال

وكان تاريخ 2/11/1994 تاريخ يصعب نسيانه فهو التاريخ الذي ودعت فيه غزة هاني الغائب الحاضر بالوقت ذاته التي استعادت فيه "أم معاذ" الكثير من أحداث وداع ذلك اليوم حيث تقول:" لأول مرة يتأخر زوجي عن العمل حيث أخذنا المزاح وتبادل الحديث معه ومع الأطفال على مائدة الإفطار الكثير من الوقت لينظر لعقارب ساعته ويجد أنه تأخر عن عمله ليخرج بسرعة للعمل في كلية العلوم والتكنولوجيا بخانيونس وكان قبل رحيله طلب تناول وجبة السمك على الغذاء....وكانت عقارب الساعة تسير ويقترب من موعد عودته للبيت أو على الأقل الاتصال على البيت خاصة حينما يريد أن يتأخر ويذهب لعملة في صحيفة الاستقلال".

وتتابع وهي ترسم تفاصيل ذلك اليوم بين عينيها:" لقد تأخر الوقت وهاني لم يعد فكنت انتظر رنة الهاتف منه، وبالفعل رن الهاتف لكن لأول مرة أشعر أن هذه الرنات ليست رنات عادية فردت أخت هاني لتقول" لحظة أنادي شقيقي عماد".... وسمعت سلفي يقول أين هو الآن وكانت شقيقته تطلب الخروج معه...لم أعلم مايحدث فأخذت بالبكاء وكان الأمر يزداد معي خاصة حينما يتأخر الوقت وهاني لم يعد للبيت بعد".

وتضيف في أحداث ذلك اليوم :" كنت أبكي ولا أعرف السبب وأحمل طفلتي بين ذراعي فجاءت والدة هاني وسألتني "هل حدث شيء لشقيقك؟" قلت لها "لا" فقالت :" لماذا هذا البكاء" فصرت أبكي بحرارة وكان الجو بارداً جداً حيث الأمطار الغزيرة فشعرت أن شيء حدث لهاني...".

وتتابع بكلماتها:" اتصلت بصديقه المقرب وأخبرته بأن هاني لم يعد بعد وأشعر أن شيء قد حدث فذهبت معه للمستشفيات للبحث عنه ولم نجده وبعدها ذهبت لجريدة الاستقلال فطلب مني صديق زوجي الانتظار بالسيارة نظرا لشدة برودة الجو لكن لم أستطع الاحتمال طويلاً فخرجت وما إن فتحت باب الجريدة حتى سمعت كلمة "قد وضعت له عبوة ناسفة" فصرت أبكي وادعو الله تعالى ".

وتبين، أنها شعرت بشيء داخلها يزيدها من التعلق بالله تعالى فعادت للبيت وصلت المغرب لتردد "اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها ...وفي ذلك الوقت كانت كثير من السيارات تأتي قرب المنزل وكل واحد منهم يسأل عن "أبو معاذ" فحينما يعلموا أن عائلته لا تعرف أنه استشهد فبسرعة تغادر السيارة.

وتشير بقولها:" وما إن جاء موعد أذان العشاء حتى أخذت المساجد بنعي هاني في تلك اللحظة شعرت أن الصبر نزل على قلبي فمنعت أي أحد من الصراخ فصرت أقول خلينا نضيء الشموع لاستقبال هاني ...فكانت الكهرباء في ذلك الوقت مقطوعة".

وتقول اعتماد وهي تستذكر ذلك اليوم في أدق تفاصيله:" لقد كنت في الطريق إلى المستشفى حيث يتواجد هاني فكانت السماء تمطر وحينما وصلت إلى المستشفى كان هاني بغرفة العمليات وكانت قد بترت قدمه فكان شقيقي عماد يبكي على ذلك فكنت أقول له هاني كله راح وليس فقد قدمه فقد شعرت أنه قد رحل".

وتستكمل "أم معاذ" حديثها وهي تسترجع الذكريات":"لقد رأيت هاني محمول على النعش بنفس الصورة التي كنت أجده فيها على اليقظة في كثير من الأوقات قبل استشهاده...فأخذت بالبكاء حينما نظرت له فلم أتمالك نفسي في ذلك الوقت".

وتستذكر عملية اغتيال لزوجها حينما انتهى من عمله في الجامعة كلية العلوم والتكنولوجيا في خان يونس فكان برفقة أصدقائه وقبل أن يقترب من السيارة قال لهم " لقد نسيت أن أوقع على المغادرة" وكان الأمر بالنسبة لأصدقائه فطلب منهم أن يوقع أحدهم عنه وهو سيعمل على تجهيز السيارة وماهي إلا خطوات صغيرة ووضع قدمه اليمنى في السيارة حتى حدث انفجار سريع أدى بشكل مباشر إلى بتر قدم هاني وبعد عملية جراحية استشهد بالفور".

 

رحل هاني بجسده لكنه لازال حاضراً في بصمته التي لازالت تصدر على صحيفة الاستقلال باسم مؤسسها "هاني عابد" فقد تعلم وعلم الاخرين معنى الاستقلال الحقيقي لأرض فلسطين وطبع كلمات بيانه بسطور من دمائها حينما ترجم كلماتها "لابد لنا أن نستشهد"...لقد كتبها وترجمها قبل "18 عام" ونحن اليوم نستذكره على صفحات التاريخ الفلسطيني ونترجمها بقافلة من شهداء الحركة الإعلامية الفلسطينية.

replica watches replica watches replica watches