04:57 م - الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م
›› آخر الأخبار:

الصحفي علاء مرتجى : ذهب ليطمئن على أسرته فنال الشهادة

2013-09-06

غزة - علاء الحلو

لم يكن الصحفي علاء حماد محمود مرتجى، يعلم عندما غادر مقر عمله في إذاعة البراق، في غمرة حرب الفرقان، للاطمئنان على أسرته التي تقطن في حي الزيتون، أنه ذاهب لينال الشهادة، ويصبح هو خبراً كتلك الأخبار العاجلة التي طالما أذاعها عبر الأثير وهو ينقل وقائع عدوان الاحتلال على غزة.

ففي التاسع من يناير 2009، كان الصحفي مرتجى على موعد مع الشهادة بعدما قصفت طائرات الاحتلال منزله في حي الزيتون بغزة، ليستشهد وتصاب والدته بجروح خطيرة في حينه.

قبل دقائق من مغادرته مقر الإذاعة كان صوت علاء يصدح يشحذ همم الجماهير "غزة ليست فقط الحاضنة الأمينة لمشروعنا الوطني بل هي بيت العز المسكون بعطر دم الشهداء وأن إرادة أهلها لن تنكسر رغم الجوع، والقهر، والحصار، تحيتي لكم دومًا" دون أن يدري أنها ستكون آخر كلمات ينطقها عبر ذلك المنبر، يعطر بدمه بيت العز والحاضنة الأمينة للمشروع الوطني على حد تعبيره هو.

 

في ذلك اليوم سجل علاء هذه الكلمات، وكلمات أخرى تدعو للوحدة الوطنية، واستأذن زميله "فاروق رجب" في اذاعة "البراق" أن يغيب ساعة ونصف للاطمئنان على أهله، ومن ثم العودة للعمل، فلا يزال يحتفظ بجعبته الكثير لجمهوره في هذه الايام العصيبة من الحرب على غزة، تبسم واستودعهم وخرج.

 

بعد مرور نصف ساعة من الوقت تلقى "رجب" اتصالا على الاذاعة مفاده: "قصف منزل زميلكم "علاء مرتجى" في حي الزيتون، وأنباء عن اصابته وأمه، نقلا على اثرها إلى مستشفى دار الشفاء بغزة"، أذيع خبر الاصابة على الاثير، وبعد أن سكت المذيع ظهر مشهد زميله "محمد أبو سلامة" في ضيافة "تامر المسحال" أمامه على التلفاز في بث مباشر لقناة الجزيرة من ساحة مستشفى الشفاء معلنين في آخر الحوار بينهما توقف نبض زميلهم "علاء مرتجى" واستشهاده.

 

تفاصيل الخبر على الاعلام موجعة، ولكن تفاصيل الحكاية من الداخل أشد ايلامًا، لوالد يصول بين أزقة المشفى العاج بالمصابين، بين دقيقة وأختها تحلق روح إلى بارئها، وأطباء يجتهدون قدر استطاعتهم وامكانياتهم لإنقاذ الجرحى الذين كانوا بالمئات.  وبين مكان رقاد "أم علاء" يتفقد الزوج زوجته والألم يعصف به على اجماع الاطباء ببتر ساقها ومحاولاتهم في اخراج الشظايا من باقي جسمها، وبين مكان سكون ابنه "علاء" للحظات وسكن النبض معها وخرجت روحه إلى ربها.

 

حالة من الدوار تبكي ما تبقى من حاله، مستذكرًا حكاياته وضحكاته وصوته عبر اذاعتي البراق وألوان – حينما كان مراسلا لها ينقل الاخبار والاحداث فور وقوعها-، وكيف كان يوفق بين عمله الاعلامي في الاذاعات المحلية وبين عمله كموظف علاقات عامة في سلطة الأراضي.

 يستذكر أيام طفولته الناعمة، لم يذق حلاوتها لان المحتل لا يزال جاثمٌ على أرضه، يتذكر حيويته ونشاطه وحركته، وعشق بالتصوير، وولعه في الصحافة والاعلام حتى أتم دراسته الجامعية لبكالوريوس الصحافة والاعلام (علاقات عامة) بالجامعة الاسلامية.

 

تجول الذكريات في مخيلته وكأنها فيلم متصل، لم يكن يدري الأب أن زملاء علاء أيضًا يعيشون ذات المشاعر. ...يتذكره زميله "سلامة العوضي" قبل أيام فقط.. في مطلع الحرب، ومع تجدد القصف وتباين المناطق المقصوفة، فكلما سمع دوي انفجار اعتقد أنه بالإذاعة، حتى دفعه للقول: "سنستشهد الآن لا محالة"، وكتب على حائط الاستديو "الشهيد علاء مرتجى" مطلقًا على نفسه شعار: "إلى العلياء يا علاء"، صدق الله فصدقه الله..

علاء ولد بتاريخ 12/5/1983م ونشأ في بيت بسيط يؤدي إليه زقاق من أزقة حي الزيتون "منطقة النديم", درس الابتدائية في مدرسة صفد والثانوية في مدرسة تونس, وحصل على شهادة الثانوية العامة عام 2001 .

التحق علاء بمقاعد الدراسة في الجامعة الإسلامية, وحصل منها على شهادتين الأولى بكالوريوس في الصحافة والإعلام عام 2006, والثانية بعد عام تخصص علاقات عامة وإعلان عام 2007, وتم ترشيحه من قبل إذاعة ألوان التي عمل بها خلال فترة دراسته الجامعية للمشاركة في منحة مركز الجزيرة الإعلامي للتدريب والتطوير, والتي عقدت في قطر ومثل الإذاعة عام 2008 .

شارك علاء في العديد من الدورات ومنها دورة الإطفاء والإنقاذ والإسعاف, ودورة في التصوير التلفزيوني, ودورة في الإعلام الرياضي وأخرى في الإلقاء الإذاعي والتلفزيوني وعدة دورات أخرى, وافتتح هو ومجموعة شبابية مكتب إعلامي خاص بهم, وكان يحلم بإنشاء إذاعة خاصة به, لكن أحوال عائلته الاقتصادية السيئة لم تساعده على تحقيق حلمه.

خلال فترة الدراسة كان علاء مغرماً بالمجال الذي اختاره, وكان يمارس في تلك الفترة هواية تقليد المذيعين في القنوات الإخبارية والإذاعات, ولكن ذلك لم يمنعه من العمل في العديد من المهن القاسية كي يصرف على نفسه فعمل في رفع الحجار, وبيع الملابس, وعمل في محل للعطور على الرغم من أنني كنت أدفع رسوم الجامعة, فأنا من الأشخاص الذين يحبون العلم رغم عدم إكمال تعليمي.

كان علاء من المشاركين الدائمين في البرامج التفاعلية وبرامج المسابقات, وعند أي اجتياح أو تصعيد إسرائيلي كان يتصل بالإذاعات المعروفة في ذلك الحين ويبدأ بشرح الأوضاع والأحداث التي يراها ويتابعها, كان يراسل دون أن يكون مراسل, ويطلب من المواطنين والمقاومين اخذ أقصى درجات الحيطة والحذر, كان ابني مندمجاً في المجال الذي اختاره وكان محباً له.

في يوم من الأيام, ذهب علاء إلى إذاعة افتتحت حديثاً وهي إذاعة ألوان وجلس مع مديرها وأخبره بأنه يدرس صحافة وإعلام وطلب منه أن يتدرب في الإذاعة, فوافق المدير, وعاد إلى البيت في ذلك اليوم والفرحة تغمره, فقد انطلقت الإذاعة التي يعمل بها, وبدأ يسمعها الناس وتنتشر.

توقف الأب عن الحديث قليلاً وكأنه يسترجع شريط ذكرياته الجميلة, وقال: كنت أرى في علاء شئ غريب, فهو يختلف عن بقية شباب العائلة, كنت أشعر بكم هائل من الطموح والإصرار بعينيه, كان محبوبا عند أعمامه وأخواله, ذات يوم زارنا مدير الإذاعة وتحدث لنا عن اللحظة التي جاءه فيها علاء للحصول على تدريب في الإذاعة, فقد كان متردداً حينما دخل عليه ذلك الشاب الطويل, ولكن بعد الاستماع إليه والاقتناع بشخصيته ولباقته وطموحه العالي, قبل به متدرباً وواحداً من فريق الإذاعة.

كان علاء يقدم برنامج "فرحة عمر" ضمن برامجه, وهو برنامج لمساعدة الشباب في تكاليف الفرح, كان شعار البرنامج "العروس عليك, والباقي علينا", وكان يحدثنا عن الحلقات المميزة والمواقف التي تحدث معه, وعند وصوله للبيت كنا نشعر بسعادته لأن برنامجه ساعد شاباً في الزواج, وفي نفس الوقت كان يشعر بغصة على الشباب الذين لم تمكنهم الفرصة من الفوز بالمساعدات التي يقدمها البرنامج.

استشهاد علاء

بات علاء قبل استشهاده بيوم في إذاعة البراق, اتصل على البيت وسألهم عن الأوضاع قبل أن يرجع للبيت, فقالت له أمه أن الوضع مستتب لكنها كانت تخاف عليه من الطريق فطلبت منه المبيت في الإذاعة, في اليوم التالي اتصل ليطمئن فأخبرته أخته أن والدته أعدت "المقلوبة" وهي الأكلة التي يحبها علاء كثيراً, حينها رجع للبيت وتناول الغذاء وجلس معنا وذهب لصلاة المغرب برفقة أخويه محمد ومحمود في جامع علي بن أبي طالب, على الرغم من خطورة الذهاب للمساجد في فترة الحرب لأن الاحتلال كان يستهدفها بشكل مباشر, خاصة بعد استهدافه لمئذنة جامع ساق الله قبل ذهابهم للمسجد بساعة تقريباً.

بعد رجوعه من المسجد كنا نتابع القنوات الإخبارية, وسمعنا صوت قذيفة عند جيراننا, فخرج علاء على الشرفة ليشاهد ماذا حدث, وبعد لحظة تفاجأ بأمه على باب الشرفة, فطلب منها أن ترجع للخلف, لكن قذيفة أخرى لم تمهلهما, فأصيب علاء في رجله اليسار وأصيبت والدته في معظم أنحاء جسدها, جئنا على الصوت ولم نكن نتوقع أن الانفجار داخل بيتنا, وكان علاء حينها يصرخ "يا الله .. يا الله", حملته وجاءت ابنتي تساعدني في حمله, نزلت به ووضعته على الباب كي أتفقد باقي العائلة.

ونزلت فوجدت أصدقائه وجيرانه قد لفوا مكان إصابته, وقال لي حينها علاء "أنا بخير لا تقلق علىّ" وأخذه الجيران في سيارة مدنية إلى مستشفى الشفاء, وأخبرني أحد الجيران حينها أن باقي عائلتي عنده في البيت خوفاً من قصف البيت مجدداً بالقذائف التي كنا نسمعها على مدار الوقت, ذهبت إلى بيت جيراني كي أتفقد أبنائي مخافة أن يكون أحدهم ما زال عالقاً في البيت, فقالت لي ابنتي: "جميعنا هنا, من أصيب فقط علاء وأمي".

ذهبت إلى مستشفى القدس في منطقة تل الهوا لإسعاف أم علاء التي بترت ساقها بسبب الإصابة, وكنا نتصل بمستشفى الشفاء للاطمئنان على علاء, وأخبروني أنه تم إسعافه وأنه بصحة جيدة, وقالوا لي "لا تقلق", في هذا الوقت تم تحويل أم علاء إلى الشفاء لخطورة حالتها الصحية, وعندما وصلنا رأيت علاء, سألتهم لماذا يبدو وجهه وكأنه أصفر اللون, فقالوا لي أن هذا من أثر البنج, وأن عمليته ناجحة وسيكون بخير, كشفت عنه ورأيت فخد رجله الشمال وقد لفت بالشاش.

في تلك اللحظة تذكرت أنني لم أصلي المغرب والعشاء, فذهبت للصلاة بجوار السرير الذي يرقد به علاء, كنت أسمع نفسه وأنا أصلي, لكني شعرت بأن نفسه قد توقف, فطلبت من أحد أقاربي مناداة الدكتور, فجاء الممرض وفحص علاء من صدره, لكنه لم يتحرك, فخرجت من الغرفة وأنا متيقن بأنه قد استشهد, وكنت أقول "راح علاء .. راح علاء".

رجاء "والدته"

اللحظة الأولى لولادة علاء كانت فرحة كبير لعماته وخالاته وكل العائلة, بدأ يكبر علاء وكنت ألمح الطموح الكبير بعينيه, كان دائما يفكر بأمور تسبق عمره بكثير, كان يدرس وفي نفس الوقت كان يحب التجارة ومساعدة أخواته, كان يحبهن جداً, خاصة وأنه الأخ الوحيد لهن.

في يوم من الأيام وعلاء في السادسة من عمره كادت أن تتسبب محبته لأخواته بقتلهن, كنا في تلك الفترة نسكن ببيت من "الزينكو" وكان الجو بارداً جداً, فأراد علاء إشعال النار لتدفئة أخواته, فشبت النار في الغرفة ودمرت الأثاث الموجود فيها, ولكن لم يصب حينها أحد بأذى.

علاء كان يحب مشاهدة الرسوم المتحركة ويحب اللعب كثيراً, ولكن عندما بلغ السادسة عشر من عمره, أصبح يحب العزلة في غرفته ومتابعة الأخبار والمذيعين, والمشاركة في برامج المسابقات والبرامج الحوارية, وعندما كبر وأراد الدخول في مجال الصحافة كنت أنا ووالده نقول له أن الصحافة مهنة خطرة خاصة في ظل وجود الاحتلال الإسرائيلي, لكنه كان مصراً على دخولها, فقبلنا حينها وقلنا أنه سيبدع فيها ما دام مقتنعاً بها, وأعتقد أنه أبدع.

قبل استشهاد علاء بثلاثة أشهر كنت أبحث له عن عروس, كان علاء يطلب أن تكون خطيبته طويلة مثله ومتعلمة, لكن شراء البيت أوقف مشروع زواجه, على الرغم من أنني في ذلك الوقت كنت أفضل زواجه واستئجار بيت له على شراء البيت, لكن علاء كان يصر على شراء البيت حتى نرتاح من البيت القديم, ويقول "أنا أريد أن أتزوج في سن الثلاثين, بعد أن نسدد ديوننا ونرتاح في البيت الجديد".

وفاء "أخته الكبرى"

كان علاء خفيف الظل ومرح, وكان يحب مواكبة كل جديد في عالم الكمبيوتر والانترنت, وكنا نتسابق أنا وهو على معرفة الجديد في هذا العالم, وقبل أن يتم توظيفه كان يرسل الإهداءات لنا على الإذاعات, وأرسل لي تهنئة خاصة عند خطوبتي وعند توظيفي, وكان يفاجئنا دوماً بالهدايا, وأذكر أن جهاز الجوال الأول الذي اقتنيه كان هدية من علاء يوم نجاحي في التوجيهي.

رقية "شقيقته"

علاء كان يتميز بعدة صفات, مَرِحاً ويحب الاعتماد على نفسه, كان يعمل في الإجازات الصيفية فترة دراسته أكثر من عمل كي يصرف على نفسه, كان حنونا ويحب الهدوء بشكل كبير, لذلك كان يجلس في أكثر مكان هادئ في البيت, عندما كنت بالتوجيهي كان يأتي لغرفتي لأنها هادئة ويجلس أو ينام فيها بعد عودته من العمل.

محمد "شقيقه"

كان علاء يحب محمد بشكل كبير خاصة وأنه الولد الأول الذي جاء بعد ثمانية بنات وهن "وفاء, هناء, رقية, نسمة, أنسام, أمال, سماح, إيمان", ويقول محمد: "كان أخي علاء يأخذني دائماً معه إلى البحر, وعند أصدقائه, وكان يأخذني أحيانا ولا يأخذ محمود, وعندما كنا نذهب إلى البحر كان يحملني ويقذفني داخل البحر ويشاكسني", وفي آخر عيد كنا خارج البيت وكان علاء يحاول تصوير نفسه, لكنه لم يستطيع التقاط صورة جيدة تعجبه, فأعطاني الجوال وطلب مني أن أصوره, فصورته وأعجبته الصورة, كان علاء يحب التصوير كثيراً.

إذاعة ألوان

كانت ألوان هي المحطة الأولى والهامة في حياة الشهيد علاء مرتجى العملية فقد ذهب للتدرب فيها, والتقى المهندس وائل العاوور والذي بدأت معه رحلة علاء المهنية, ويقول العاوور أنه كان يثق بذلك الشاب وكان مثالاً للاجتهاد والتفاني في العمل, إضافة إلى أنه كان نشيطاً ويحب ابتداع الأفكار الجديدة والمثيرة.

تغريد العمور "زميلته"

التحقت الصحفية تغريد العمور بإذاعة ألوان شهر نوفمبر لعام 2004, وكان علاء من أكثر الزملاء تجاوبا ودعما للمنضمين حديثا للإذاعة, لم يبخل قط بأي نصيحة لدعم مسيرتي, كنا دوما نتشاور بخصوص أي جديد في الإذاعة وكان سلساً في تلقين المعلومة وكريم بملاحظاته في سبيل تميز أي زميل.

أجمل ما في علاء ابتسامته التي لا تفارق محياه, كانت رفيقته في حله وترحاله, كنت أعتبره "بطارية دائمة الشحن" تجاه العمل, لا يكل ولا يمل ولا يتذمر, كان منجزاً لكل مسؤولياته وفي نفس الوقت يتفانى بمساعدة الآخرين, وتميز بتقديمه للمسابقات وابتكاره لأفكار لم تستخدم من قبل بأي إذاعة وتحديدا فكرة "الكرت ع الطاير", حيث قام بنهاية حلقاته وبشكل يومي بشطب الكرت ع الهواء وذكر الأرقام بالكامل لتكن قيمة الكرت نصيب الأسرع.

السطر الأخير

تلك الحياة القصيرة التي عاشها علاء كانت كفيلة بالتأثير على جميع من حوله وجميع من تعامل معه الشهيد الخلوق, فكانت رفقته حلوة جميلة وفراقه كان مراً لم يستطع تجرعه أحد, ولم تمهله تلك القذيفة الصماء المزيد من الوقت لتحقيق أحلامه الضخمة التي ما زالت ترفرف فوق تلك الرخامة التي كتب عليها "الشهيد الصحفي علاء مرتجى".

replica watches replica watches replica watches