كان الظلام يغطي غرْة في عمق الليل – ولم تكن ساعة الصفر صدفة – عندما أطلقت طائرة إف 16 صاروخًا يحمل طنًا كاملًا من المتفجرات قتلت للتو 15 روحًا، من بينها سبعة أطفال، ودمرت مربعًا كاملًا من 37 منزلًا في حي الدرج المكتظ بالسكان.
وقع هذا في بوليو 2002 بينما كان الهدف اغتيال رجل واحد هو صلاح شحادة، أحد أبرز رموز المقIومة وقتها. حتى إيريل شارون بكل سجله الإجرامي نأى بنفسه لاحقًا عما وصفه كثيرون في الغرب، وفي إس.رIئيل نفسها، بجريمة حرب.
بين ردود الفعل القوية على أثرها، رفع مركز الحقوق الدستورية الأمريكي قضية أمام المحاكم اختصم فيها شخصًا واحدًا بعينه هو آفي ديختر الذي كان وقتها مديرًا للاستخبارات الداخلية (الشاباك). وكان هذا قبلها بعشر سنوات قد أتقن العربية التي يتحدثها بلهجة فلسطينية طليقة وكان تخصصه الدقيق داخل الجهاز من البداية هو غرْة والمقIومة.
نحن نتحدث عمن هو في هذه اللحظات وزير عامل داخل حكومة حرب الإبIدة، وقد دعا في ذكراها الأولى إلى التشريد القسري لسكان غرْة، وبلغ في دعواه حدًا اضطر نتنياهو نفسه بكل جرائمه إلى انتقادها. هل تتخيل؟!
هذا هو الشخص الذي استضافته القناة السعودية شبه الرسمية التي تحمل اسم “العربية” قبل أيام قليلة في خضم إبIدة تجعل ما حدث تحت عهدته قبل نحو ربع قرن يبدو كأنه نزهة ليلية.
ستفهم بين ثنايا اللقاء الذي جرى في مكتبه أن “العربية” كان لديها فكرة عن خلفية ذلك الشخص. ولابد أيضًا أنها تعلم من الذي وافق على – إن لم يكن بادر باقتراح – لقاء على هذا المستوى مع شخص من هذا النوع في هذا الوقت بعينه. تمًامًا كما حدث في حالة قناة سكاي أبوظبي قبل أسابيع قليلة.
كما قلنا وقتها، من حق أي صحفي – بل من واجبه – الوصول إلى كافة المصادر الممكنة كي يقدم صورة متكاملة للمتلقي، بمن في هذا الإرهابيون والمجرمون وباعة الأعراض. لا مشكلة في هذا، وإنما تبدأ المشكلة حين يجهل الصحفي – أو يتجاهل – حزمةً عريضةً من الشروط المهنية والأخلاقية بحيث لا ينتهي به الحال، كما حدث في الحالتين، إلى كونه أداةً تُستخدم أو حمارًا يُمتطى لخدمة أجندة، عن علم أو عن غير علم.
ومما ظهر لي من محتوى اللقاء ومن سياقه وملابساته أن هذا حدث عن علم، سواء في حالة القناة شبه الرسمية أو في حالة مديرة اللقاء التي أدارها ذلك الشخص كما أراد حتى أنه دفن سؤالها الوحيد (عن أطفال غزة) الذي كان يمكن أن يكون له قيمة فاختتمت اللقاء معه بكل ود: “أحييك”.